كنوز ميديا/ بغداد

 

 

تحتَ عنوان “مسئولية الرجل الأبيض المتمدن” تتدخَّلُ الولاياتُ المتحدة الأمريكية في مصائر الشعوب، منذ أن شَرَّعَ الرئيسُ ويلسون الحروبَ (الاستعمارية) في سبيل نشر الديمقراطية وحقوق الإنْسَان، فيما هي فعْليًا تصرف فائض السلاح إلى مناطق النزاعات التي تساهم هي في إيقادها، وتتصدّرُ رقم واحد في قائمة الدول المصدّرة للسلاح، والمسئولة الأولى عن أبشع المجازر والحروب العدوانية في التأريخ الحديث، من (هيروشيما) إلى (فيتنام) و(أفغانستان) و(العراق) و(سوريا)، وليس نهايةً بالعدوان على (اليمن)، ودعمها المُستمر للكيان الصهيوني ضد أَبْنَاء الشعب الفلسطيني واللبناني، وإذا كان هذا واقعَ أمريكا الخارجي، فما هوَ واقعُ هذه الدولة الاستعمارية على المستوى الداخلي، وهل تُجسِّدُ فعلًا تلك الشِعارات التي تغزو الشعوب بها؟

لا ديمقراطيةَ في أمريكا

ارتبط مفهومُ الديمقراطية بحُكم الشعب، وعلى النقيض من ذلك، من السهل اكتشاف أن الشركاتِ المتعددة الجنسيات، والمُؤسّسات المالية الضخمة، والتي تقف خلف كثير منها قوى صهيونية، هي من تحكم أمريكا، وتتعارض مصالح هذه الطبقة مع المصالح الأميركية، ومصالح المواطن، دافع الضرائب المسكين، الذي له حُرية التحرك والتعبير داخل قفص اتحادي، وحتى مكتسبات حقوقه الشخصية ينتهكها قانون “مكافحة الإرهاب”، أما المُعارضون للسياسة الأمريكية في الداخل -كما في الخارج- فمن الاغتيالات بالرصاص إلى الاغتيال بالأمراض الجرثومية.

“أسياد البشرية” كما أسماهم الاقتصادي الاسكتلندي ((آدم سميث))، هُم من يحكمون الولايات المتحدة الأمريكية -كأي دولة رأسمالية-، فهم المهيمنون اقتصاديًا على مُمكنات الحياة، وفي شِق الهيمنة الآخر، الذي يؤمّن ديمومة بقاء الطبقة الحاكمة، امتلاك هؤلاء “الأسياد” أضخم وكالات الأنباء وشركات الإعلام والدعاية الإعْلَان، والإنتاج السينمائية والتلفزيون، ودُور النشر والمُؤسّسات الصحفية، ومُؤسّسات قياس الرأي العام، وعبرَ كُلّ هذا المُؤسّسات الايديولوجية، تتم صياغةُ وعي ومِزاج المواطن، وتحدد له قيمًا سلوكية تخدم متطلبات السوق، كما تعمل على تزييف وعيه، في الدعاية المضادة على القوى الثورية العالمية ومنافسيها الدوليين، ووصمهم بالإرهاب، ومحاولة تثبيط مشاعر التضامن الأممية لدى الشعب الأمريكي بقضايا بقية الشعوب المُستضعفة.

ويعتبر المفكر الأمريكي ((ناعوم تشومسكي))، أن الولايات المتحدة تشهد “ردة” في مسار حقوق الإنْسَان والحريات والديمقراطية، فالحرية أَصْبَحت سلعة، والعقلانية قيمة تجارية.

العُنصريةُ في أمريكا

وفي مظهر آخر، ما يؤكد غياب الديمقراطية والعدالة والمساواة وحقوق الإنْسَان في أمريكا، هي العنصرية السائدة تجاه السود والسُّكان الاصليين، وعنصرية شبه مُؤسّسية من قبل الشُرطة، التي تتجلى في تكرر عمليات القتل بدم بارد للسود في شوارع ولايات أمريكا من قبل الشرطة، والتمييز العنصري قائم في بعض خدمات الدولة وكان بعضه مُشرَّعًا قانونيًا في التعليم والهجرة وحقوق التصويت، والمواطنة، وحيازة الأراضي والإجراءات الجنائية.

وما زالت العنصرية قائمة في المجتمع الأمريكي بعد خمسه عقود من الاعتراف بمواطنة السود، فحتى عصرنا الراهن بعض الكنائس مَا تزَالُ ترفض تزويج السود، وليس مصادفة غالبية السجناء من السود، كما أنهم يعاقبون بفترة سجن أَكبر مما يعاقب بها المواطن الأبيض لنفس الجريمة، وعلى مستوى الحقوق العمالية فالعُمال من السود والنساء والآسيويين يتقاضون أجورًا أقل من نظرائهم البيض. ونسبة توظيف المتعلمين من السود مقارنة بالبيض هي 25%، كما أن أَكْثَـر من 70% من عائلات السود تعيش تحت خط الفقر، علاوة على أن معظمَ حالات الانتحار في أمريكا في أوساط السود.

الفقرُ والجُوعُ في أمريكا

في أَكبر الدول التي تمتلك الأموال الطائلة وتخوض الحُروب الكُبرى، يبلغ عدد الفقراء 45 مليونَ شخصٍ، أي أن 14.5% من الأمريكيين تحت خط الفقر.

وبحسب استفتاء أجرته صحيفة “نيويورك تايمز” وقناة “سي بي إس” الأمريكيتان المستقلتان، فان أَكْثَـر من 50% من الطبقة الوسطة يرَون ضرورة توزيع العائدات على الناس بشكل أَكْثَـر عدالة، ويقولُ الخبيرُ الاقتصادي في مركَز التطوير الأمريكي ((جو فالينتي)): “لم يشهد التمييزُ في الدخل هذا التصعيد منذ قرابة قرن، وعلى الرغم من التحسن الاقتصادي في أَسْوَاق البورصات (عما كان في أزمة العام 2008) إلا أن رواتب العمال لم تتحسن، حيث تذهب 95% من العائدات السنوية للدولة إلى جيوب 1% من السكان”

الجريمةُ في أمريكا

إذا كانت التهديداتُ العسكريةُ والاقتصاديةُ لأمريكا، في الساحة الدولية يُمكن تسويتُها بالدبلوماسية والتنازُلات والتوازن النووي، إلا أن التهديدَ الذي ينخر الدولة الأمريكية هوَ تهديدٌ لواقعها الاجتماعي، ويعاني المجتمعُ الأمريكي، من أَكبر نسبة جرائم في العالم، والتي تتنوَّعُ من عمليات الاختطاف والاغْتصَاب والسطو المسلح، والسرقة، وعمليات إجرامية وحشية كقطع الرؤوس وتمزيق الجُثث، وهي في مجملها تعكسُ أزمة المجتمع الأمريكي وسقوط القيَم اللبرالية، تحت ضغط المِلكية الاحتكارية والأنانية السائدة.

 نأخُذُ قضية المُخدرات كمثال ومؤشر، وما لارتباط المخدرات بقضايا اجتماعية أُخْـرَى. ففي آخر تقريرٍ في نهاية عام 2016 المنقضي، تخوَّفت منظمة “هيومن رايتس ووتش” وَ”الاتحاد الأمريكي للحريات المدَنية” في تقرير مشترك، من تنفيذ القوانين بشكل واسع النقاط ضد مُدمني المُخدرات، واعتبرت هذه المنظمات بأن تنفيذَ القرار بشكل واسع النقاط سيسبب ضررًا كبيرًا على الشعب الأمريكي، لمدى اتساع الشريحة الاجتماعية التي تدمن المخدرات.

السيدة ((تيس بوردن)) كاتبة التقرير تفيد: أن “كُلَّ 25 ثانية يتعرّض شخصٌ للاعتقال بتهمة حيازة المخدرات. وهذه الاعتقالات واسعة النطاق تسببت في تدمير حياة عددٍ لا يُحصى من الأشخاص، وليس لها أية قيمة في مساعدة الذين يعانون من الإدمان”.

التقرير المذكور سابقًا أشار على أنه يُوجد 137 ألفَ مواطن أمريكي في السجون يوميًا، من الرجال والنساء، لذات الجريمة، بالإضافة إلى عشرات آلاف المُدانين الذين يُنقلون بين مراكز الاحتجاز والسجون، وغالبًا ما تُثقل كواهلَهم بديون تعيق حياتهم؛ بسبب الغرامات والرسوم.

السرقةُ في أمريكا

يمكنُ قياسُ جريمة السرقة في أمريكا، بالنتيجة التي توصل لها البروفيسور ((مورجان رينولدز)) الأستاذ بجامعة تكساس في دراسة له عن السرقة في المجتمع الأمريكي، وتضمنت على التالي:

هناك حوالى 500 ألف جريمة سرقة تقع في أمريكا شهريًا. حوالي 250 ألف جريمة من هذه الجرائم يتم إبلاغُ الشرطة عنها، وحوالي 35 ألف شخص يتم اعتقالهم لارتكاب جرائم السرقة شهريًا. وحوالى 30450 محاكمة شهريًا تتم لمرتكبي جرائم السرقة. حوالى 24060 شخصًا تتم إدانتهم بارتكاب هذه الجرائم شهريا. حوالى 6010 أشخاصٍ يتم إيداعُهم السجونَ؛ بسبب هذه الجرائم.

جرائمُ القتل المُسلح في أمريكا

حيازةُ السلاح في أمريكا أحدُ المشاكل اليومية المؤرقة للمجتمع، ورغم التدابير الوقائية المتمثلة في قطع التصاريح، إلا أن حوادث القتل شائعه، وملكية السلاح بعيدًا عن عيون الدولة منتشرة ايضًا، لدى الأفراد أَوْ الجماعات، عبرَ الشراء من الانترنت أَوْ التهريب من الحدود. كما يمثل اقتناء السلاح بأنواعه أحد الهوايات لدى الطبقة الثرية الأمريكية.

وتشيرُ إحصاءاتُ مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى أن هناك ما يقرب من 16 مليونَ طلب للحصول على أسلحة نارية خلال عام 2012 حتى نهاية نوفمبر (تشرين الثاني). وهذا يفوقُ سلاحَ أفراد قوات حلف شمال الأطلسي” الناتو”.

 ووفقًا للأبحاث الأمريكية التي أُجريت في هذا الشأن، فإنه يوجدُ في الولايات المتحدة في مقابل كُلّ مئة شخص، 88 قطعة سلاح. وعلى المستويات العالمية، مَا تزَالُ الولايات المتحدة تحتل المرتبة الأولى في القتل المسلح، ونسبة انتشار السلاح الشخصي.

جريمةُ قتل كُلّ 22 دقيقة في أمريكا

ويُفيدُ تقرير عنْ جريمة القتل والاغْتصَاب والسرقة والسطو في أمريكا، نشرته صحيفة نيو يورك تايمز، بأن هناك: حالة قتل واحدة تقع في كُلّ 22 دقيقة. حالة اغْتصَاب واحدة تقع في كُلِّ 5 دقائق. حالة سرقة واحدة تقع في كُلّ 49 ثانية. حالة سطو واحدة تقع في كُلّ 10 ثوان.

شعبُ السجون الأمريكي!

وكنتيجة طبيعية، لازدياد التفاوت الطبقي في المجتمع الأمريكي، وارتفاع الجريمة، ازدادت السجون، وفي أمريكا يقع أَكْثَـر المعتقلات خزيًا في تأريخ الإنْسَانية، وهو معتقل “جوانتانامو” وإغلاقه كان من ضمن وعود الحملة الانتخابية للرئيس السابق ((أوباما))، إلا أنهُ لم يُغلق حتى الآن!

 وأفاد تقريرٌ لمنظمة “هيومن رايتس ووتش” نقلًا عن تقرير مكتب الاحصاءات في وزارة العدل الأمريكية. بأن عدد السجناء في الولايات المتحدة هو الأَكبر في العالم بالنسبة إلى عدد سكانها. وفي نهاية 2006 كان عدد السجناء في الولايات المتحدة 2,25 مليون شخص، أي 751 سجينًا عن كُلّ مائة ألف نسمة. وترتفع هذه النسبة بشكل طردي مع الهزات المالية التي تعانيها أمريكا، والمستمرة، و80% من نسبة السجناء هم من المواطنين السود ذوي الأصول الأفريقية.  jh 

بقلم: أنس القاضي

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here