كنوز ميديا – تقارير 

جرت العادة في الحروب على أن تتقاسم أطراف النزاع “تركة” ما بعد الحرب. تسري هذه القاعدة أيضاً على حلفاء هذه الأطراف وأعدائها، على حد سواء.

ويبدو أن أمريكا قد بدأت بتعبيد الطريق لحصد مكاسب الانتصار العراقي، والسوري بدرجة أقلّ، على تنظيم داعش الإرهابي، إلا أن هذا الطريق تشوبه التقاطعات والعقبات التي ستصعّب من مهمة واشنطن. ولسنا هنا في وارد تأكيد موقفنا أن كل بلايا المنطقة أمريكية التخطيط، والتنفيذ أحياناً، بل سنحاول مقاربة الأمر من وجهة نظر موضوعية تنحاز بعض الشيئ إلى شعوب المنطقة.

بعد أن تنصّلت واشنطن من اتهامات الدعم العسكري لتنظيم داعش الإرهابي في سوريا والعراق، عبر وضعها في سياق الأخطاء العسكرية (أعلنت واشنطن أكثر من مرّة تزويدها داعش بالسلاح عبر رميه من  الطائرات في مناطق الأخير)، تسعى اليوم للتصويب على طهران من خلال إعلانها بأن دور إيران بمحاربة “داعش” في العراق “ضعيف”. فقد وصف التحالف الدولي، قبل أيام، على  لسان المتحدث باسمه، العقيد الجوي جون دوريان، الحضور الإيراني في محاربة تنظيم داعشالإرهابي في  العراق بأنه “ضعيف”، رغم كافّة الاتهامات السابقة لطهران باحتلال العراق.

لم يكن هجوم التحالف الدولي على إيران بريئاً، في الشكل والتوقيت والمضمون، خاصّة أنّه تزامن مع إعلان واشنطن عن زيادة عدد القوّات الأمريكية في كل من سوريا والعراق، فضلاً عن متغيرات أخرى سنعمد إلى ذكرها في ثنايا هذه السطور. ومن خلال جردة سريعة على كلام  واشنطن نفسها عن اللواء سليماني يتّضح الدور الذي يحظى به هذا القائد الإيراني في مواجهة داعش، ففي حين ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن إيران هي التي تقود معركة الفلوجة في العراق، قال صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية، التي تصدّرت صفحتها الأولى صورة اللواء سلماني، في إحداى عناوينها: إنها وفي إطار ما يعرف بالحرب على تنظيم “داعش”، تحتل المزيد من الأراضي العراقية.. إن إيران تحتل العراق.

نكتفي بهذا القدر من التقارير الغربية عن الدور الإيراني في مواجهة تنظيم داعش الإرهابي في العراق، وإن حاولت واشنطن سوقه لناحية “الاحتلال”، رغم أن الحضور كان بطلب ورضا عراقي تام، ونحيل التحالف الدولي لحقائق الميداني وعشرات الصور الذي حضر فيها اللواء قاسم سليماني في خطوط المواجهة الأولى في كافّة المدن العراقيّة، وهنا تجدر الإشارة إلى النقاط التالية:

أوّلاً: يأتي كلام التحالف الدولي ضدّ إيران في سياق المشروع الأمريكي الجديد الذي تحدّث عنه السيد نصرالله في خطابه الأخير حول سعي واشنطن لحصد مكاسب هزيمة تنظيم داعش الإرهابي محاولةً في المرحلة الراهنة أن تكون شريكة في النصر على الإرهاب سواءً في سوريا أو العراق. فبدءاً من زيارة ماكين إلى الشمال السوري، مروراً بزيارة وزير الدفاع الأمريكي الجديد جيمس ماتيس إلى العراق، وكذلك التصاريح الإعلاميّة الغربية حول مشاركة قوات أمريكية وبريطانية بقيادة الهجوم التي تنفذه القوات العراقية لتحرير الجانب الغربي من مدينة الموصل، ووصولاً  إلى مهاجمة العقيد دوريان، للدور الإيراني في مكافحة الإرهاب، هناك سعي أمريكي لحصد نتائج هزيمة داعش بعد أن لمست واشنطن وحلفائها هزيمة المشروع التكفيري.

ثانياً: لا نبالغ إذا قلنا أن إيران لو تدخّلت بطواقمها العسكرية كافّة، باعتبار أن العقيد دوريان قد قال”لم نر أعداداً كبيرة من طواقم الجيش الإيراني، بالرغم من وجود بعض المجاميع العاملة غرب مدينة الموصل ممن لديهم ارتباطات مع إيران”، لكان وقع هذه الخطوة على واشنطن أقلّ بكثير من الواقع القائم. قد يستغرب البعض هذا الكلام، إلا أنّه عند مراجعة التصاريح الأمريكية الأخيرة التي تتحدّث عن بقاء قواتها في مرحلة ما بعد داعش، يتّضح أن الحشد الشعبي الذي يحظى بدعم إيراني كامل سيكون أبرز العقبات أمام أي مشروع أمريكي جديد في العراق. فبعدما عملت أمريكا على تفتيت القوات العسكرية العراقيّة بعد احتلالها للعراق ما أدّى إلى ظهور التنظيم الإرهابي الأبرز، نجحت إيران، وتحديداً اللواء قاسم سليماني، في دعم قوات الحشد الشعبي الذي تشكّل بناءً على توصية المرجعيّة الدينيّة، لتكون هذه القوّة العسكرية العراقيّة سدّاً منيعاً أمام داعش وأي مشروع أمريكي قادم.

ثالثاً: الغريب أن كلام العقيد الأمريكي الجديد يتعارض مع جملة من التصاريح الرسميّة الأمريكية، ألم يقرّ وزير الخارجية الأمريكي السابق، جون كيري، بدور إيران “المفيد” بقتال “داعش” في العراق. وإن لم يكن الدور الإيراني بارزاً، لماذا جدّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في تغريدة له على تويتر، انتقاده للتدخل الإيراني في العراق، قائلاً: إن إيران تتوسع أكثر فأكثر في العراق حتى بعد أن بددت الولايات المتحدة ثلاثة ترليونات دولار هناك منذ مدة طويلة.

رابعاً: لا نستبعد استخدام اعتماد واشنطن سياسة إعلاميّة جديدة تتماهى مع مشروعها الجديد، وهذا بالفعل ما لمسنا من خلال رفع  عديد القوّات الأمريكية في سوريا والعراق على حدّ سواء. ربّما يكون في صالح واشنطن اليوم أن يسقط لها جنود على الأراضي السورية والعراقية، لرفع حجم مقايضاتها في المرحلة اللاحقة.

كل هذا الكلام الأمريكي، في حين أن طهران لم تتحدّث أبداً عن سعيها لكسب نتائج الإنتصار الذي تعدّ شريكه الأبرز، إلاّ أن  هذا لا يعني أبداً التقليل حجم الدور الإيراني في سوريا والعراق، والذي لطالما كان محطّ انتقاد غربي وعربي غير مسبوق، فما عدا مما بدا؟

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here