كتب / د. باسل عباس خضير…

لعل البعض يعدها مزحة عندما يسمع بنية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الاستيلاء على نفط العراق ، فقد كرر ذلك في  حملاته الانتخابية وبعض خطاباته بعد التنصيب وهو لم يقولها سرا أو بأصوات منخفضة وإنما جهر بنواياه واعتبر ذلك من حقوق الولايات المتحدة الأمريكية لسببين ، فمن وجهة نظره إن أمريكا هي صاحبة الفضل على العراق والعراقيين في التخلص من نظام دكتاتوري عندما قامت باحتلال العراق وقدمت العديد من التضحيات من أبنائها وأنفقت تريليونات الدولارات وهذه ليست خدمات مجانية تقدم للعراق وإنما أموال أمريكية يتوجب أن تعود لأصحابها الشرعيين ، أما السبب الثاني فان سوء الإدارة في العراق بعد الانسحاب ( الخاطئ ) للقوات الأمريكية فتح شهية السراق لكي يعم الفساد بشكل واسع سمح لتمدد الجماعات المتطرفة فانتعش تنظيم داعش الإرهابي الذي عاش على سرقات النفط ، وهو اليوم يشكل خطرا على العالم وفي مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية لان الارهابين يصرحون باستهداف الإفراد والمصالح الأمريكية أينما تكون ، ووجه الغرابة في تصريحات ترامب تسير عكس المطلوب لان المواثيق الدولية تفرض على المحتل تبعات أفعاله من الاحتلال .

ورغم إن المسوغات التي يصوغها ترامب غير مقنعة في استحواذه على نفط العراق ، وربما تدخل ضمن سياقات الترهيب التي يتبعها لإخافة العالم من سياساته التي تنطوي على التطرف في أكثر الأحيان ، إلا إنها غير بعيدة الوقوع في ظل الوضع الدولي الحالي الذي يتحاشى التصادم في الصراعات لما لذلك من خيارات مصبرية ومأساوية ، فهناك أكثر من حالة تدل على إمكانية تدخل الدول الكبرى في بعض النزاعات وانقسام الآخرين بين مندد ومؤيد وغيرها من أشكال التعبير عن المواقف إزاء الازمات الكبيرة ، دون أن نهمل حقيقة إن البعض يتمنى أن يبقي القتال مع التنظيمات الإرهابية في حدود العراق وسوريا للقضاء عليه وعدم انتشار تأثيراته على الآخرين ، ويلاحظ إن التهديدات الجديدة تخلو من بعض الشعارات الرنانة التي كانت الولايات المتحدة ترددها قبل الاحتلال والمتعلقة بالخطر العراقي على امن واستقرار ( إسرائيل )، مما يعني إن الموضوع تحول من نظرية المؤامرة التي كانت تحيكها الإدارات السابقة ضد العراق إلى معالجة واقع يتعلق بالمنطقة والعالم والمصالح الأمريكية بسبب الإمكانيات التي بات يمتلكها داعش ، والتغلغل الإقليمي في المنطقة الذي بات أمرا واقعيا ولا يمكن غض النظر عنه بعد أن تحولت الجمهورية الإسلامية إلى ثقل وقوة في معادلة التوازن والتأثير الإقليمي والدولي .

وعلى فرض إن الإدارة الأمريكية الجديدة قد حزمت أمرها في التحكم بنفط العراق فان السؤال الذي يطرح يتعلق بالكيفية التي سيتم فيها إدارة الاقتصاد الوطني وهو الذي يخص العباد والبلاد ، إذ يعتمد على 95% من الإيرادات النفطية لتغطية النفقات في الموازنة الاتحادية كل عام ، وقد يقول أحدا إن ذلك غير ممكن لان عصر الاحتلالات قد انتهى وان العراق في 2017 ليس كما كان عليه في 2003 من حيث تنامي قدرات الفصائل المسلحة ( التي تحولت اغلبها إلى منظومة الحشد الشعبي ) في التصدي لأي عدوان خارجي ومقاومة الاحتلال وتكبيده خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات ، وهي آراء محترمة بالطبع ولكن ما يقابلها الوجود الفعلي الأمريكي داخل العراق تحت تسمية المستشارين وامتلاكها لأكبر سفارة في العالم داخل العاصمة بغداد وقدرتها على استخدام أسلحة متطورة لا تتطلب التواجد البري الواسع ، ونقصد بها الطائرات والصواريخ وأسلحة الدمار الشامل عن بعد ، فضلا عن تأييد البعض لإعادة احتلال العراق بعد أن اثبتوا عدم القدرة على التوافق اللازم مع العملية السياسية مهما بلغت مرونتها في إدارة الدولة تحت حجة عدم حصول تقدم ايجابي ملحوظ في معظم نواحي الحياة .

وفي ظل اقتصاد وطني يعاني من الوهن والضعف وعدم القدرة على الإنتاج وتهالك أو تقادم البنى التحتية فان القدرة على إمكانية إدارة الاقتصاد بغياب الإيرادات النفطية سيكون من اكبر التحديات ، فأي نقص متزايد في الإيرادات النفطية من شانه أن يشل قدرة الحكومة على إدارة الاقتصاد بشكل واضح وكبير لأننا نشكوا ضعف الفاعلية والكفاءة في الإدارة بشكل عام وهي من عوامل عدم القابلية على تحقيق الأهداف منذ سنين ، لان الموازنات الاتحادية للسنوات الثلاث الماضية شهدت عجزا محدودا بسبب انخفاض إيرادات النفط ، مما أدى لإتباع سياسات التقشف التي أضرت وتضر الفقراء الذين يشكلون 40% من السكان والاقتراض من الخارج الذي سيحرج البلد عند المطالبة بالسداد وسحب 50% من احتياطي العملات الصعبة في البنك المركزي العراقي لغرض تغطية الرواتب وبعض المصاريف التشغيلية ، بعد أن توقفت أكثر المشاريع الاستثمارية وتحولت الموازنة الحكومية إلى استهلاكية أمام العجز في تمويل النفقات الاستثمارية وعزوف المستثمرين في الداخل والخارج على ولوج الاستثمار لأسباب تتعلق بتكاليف الإنتاج وارتفاع نسب المخاطرة وعدم إمكانية إتباع سياسات محددة لحماية المنتج المحلي بسبب التباين في الأسعار والتكنولوجيا السائدة في العالم وما هو مطبق بالداخل ، ومن الناحية الفعلية فان اقتصادنا يتعكز على النفط  .

ولعل ما يرتبط بهذا الموضوع إن موعد تهديدات ترامب تأتي بالتزامن مع اقتراب نهاية ولاية الحكومة الحالية والاستعداد لانتخابات مجالس المحافظات ومجلس النواب ، والتي قد تجلب حكومات بذات الأسماء لكي تكرر أخطائها التي وقعت بها منذ 2006 ولحد اليوم ، فهذه الحكومات تتغاضى عما سلف ولم تتبع أدوات وأساليب لإبراء ذمتها وتحليل الحسابات الختامية لمئات المليارات من الدولارات التي أنفقت دون تحقيق أهداف واضحة تخص الجمهور لأنها تتمنى المنجزات ولكنها تعجز عن تحقيقها وتجيد في عرض المشكلات وإبقائها بلا حلول  ، ورغم إن ما نطرحه ينطوي على نظرة متشائمة إلا انه جدير بالمناقشة والتحسب لكل الاحتمالات لكي نسبق الزمن ونتخذ إجراءات تقلل الضرر على شعبنا المظلوم ، فالقضية تحتاج إلى نكران للذات لتكريس الجهد والوقت والاهتمام لمواجهة تهديدات ترامب بدلا من الانشغال بالانتخابات ولمن الغلبة ستكون ، فالقضية لا تتعلق بالنفط فحسب وإنما بمصادرة قدراتنا المتنامية في المواجهة والصمود والتضحيات وهزم المحتل بغض النظر عن مسوغاته .

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here