كتب / د. كاظم ناصر…

الإسرائيليون وعلى رأسهم نتنياهو ويمينه المتطرّف يشعرون بسرور بالغ لوجود ترامب في البيت الأبيض . الرجل صهيوني الهوى لا مبادىء له ، ويريد أن ينجح كرئيس أمريكي بأيّ وسيلة ممكنة ، ولا يهمّه إنتقاد العالم له لأنه في الحقيقة يمثل غطرسة وإستعلاء وعنصريّة اليمين الأمريكي بأبشع صورها ومعانيها . العالم بما في ذلك أغلبيّة أبناء الشّعب الأمريكي لا يتوقّعون من هذه الإدارة الترامبيّة خيرا ، ويشعرون بالخوف لأنها بتهوّرها قد تسبّب صراعات وحروب في أكثر من مكان ، وتعرّض السلام العالمي للخطر .

نتنياهو يعرف من أين تؤكل الكتف ، ولهذا فإنّه من أكثر السياسيين في العالم تأييدا لترامب لقناعته أنه هو ويمينه المتطرّف سيقرّرون … السياسة الترامبيّة … في الشرق الأوسط وخاصّة ما يتعلّق منها بالفلسطينيين … من تل أبيب … كما يشاؤون ، وسيستخدمون نفوذهم في البيت الأبيض لخلق العقبات أمام الفلسطينيين على الصعيد الدولي ، وفي المنظمات الدولية الهامة وعلى رأسها المنظمة الأمميّة .

في أقل من شهر على تسلّم ترامب مهامّه الرئاسيّة أحبطت إدارته تعيين سلامه فيّاض وسيطا للأمم المتحدة في ليبيا ، وتجنّبت التعامل المباشر مع الفلسطينيين ، وأجّلت قرارها بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس بناء على طلب نتنياهو لقناعته أن إتخاذ هذا القرار الآن لا يخدم المصالح الإسرائيلية وقد يسبّب لترامب مشاكل في تعامله مع العرب والعالم . ترامب كما أفادت المعلومات المسرّبة من البيت الأبيض إتّخذ قرار النقل وكان جاهزا لتوقيعه وأعلانه رسميّا … ولكن صدرت له الأوامر من نتنياهو … بالتريث وتأجيل التنفيذ بعض الوقت ووافق على ذلك ! لقد أوقف معارضة الولايات المتحدة السابقة الخجولة للتوسّع الإستيطاني ، وتبنّى وجهة نظر نتنياهو بأن الإستيطان لا يهدّد التوصل لحل ، وقال له بدلال في المؤتمر الصحفي أريدك … أن تبطىء … البناء الإستيطاني قليلا ” a little bit ” ، لا أن توقفه كما كانت الإدارات الأمريكية السابقة تقول .

في لقاء ترامب ونتنياهو يوم الأربعاء الموافق 15-2- 2017 كان من الملاحظ أنّهما كانا على آخر إنسجام ، وعقدا مؤتمرا صحفيا في البيت الأبيض قبل اجتماعهما الرسميّ وهو تصرّف غير مسبوق يشير إلى تفاهم كامل بين الطرفين ، وأدليا بتصريحات تدعم ممارسات إسرائيل العنصريّة ضدّ الفلسطينيين ، وموقفها من الإحتلال والمستوطنات ، وترفض الحل السلمي بوضوح لا لبس فيه .

نتنياهو كرّر أكاذيبه المعروفة بأنه يعمل من أجل السلام ، وإن الإستيطان لا يعيق التوصّل إلى حلّ سلميّ ، وإنه جاهز لإجراء مباحثات سلام مباشرة غير مشروطة مع الفلسطينيين ، ويريدهم أن يعترفوا بإسرائيل كدولة يهوديّة ، ويوقفوا التحريض ضد الصهاينة كما يدّعي ، ويقبلوا بسيطرة إسرائيل الأمنية من النهر إلى البحر … أي أن يقبلوا بكذبة إسمها دولة فلسطينية لا سيادة لها على أرضها وحدودها وسمائها ، ويعيش فيها حوالي مليون مستوطن تستطيع إسرائيل أن تعيد إحتلالها عندما تشاء خلال ساعات بدون مقاومة تذكر .

ترامب عدوّ لدود لنا كفلسطينيين وعرب ، وإن التغيير المزعوم في موقفه من الإستيطان ونقل السفارة لا أساس له ، وإنه ليس إلا تكتيك الهدف منه فقط خداعنا والضحك على ذقوننا . الحقيقة التي لا شكّ فيها هي إنه نسف حل الدولتين ، ووجه ضربة قاصمة للجهود الدولية المؤيدة لحل سلمي ، وترك شؤون الإحتلال والإستيطان والسلام بيد اسرائيل لتتصرّف بها كما تشاء وبدعم وحماية أمريكية ، وهذا هو بالضبط ما يريده نتنياهو وحكومته .

إسرائيل تعمل بأقصى سرعة ممكنة لتهويد ماتبقّى من الضفة وزيادة عدد المستوطنين فيها بشكل كبير دون ضجّة دولية ، وتشارك سرا وعلانيّة في الحروب الدائرة في المنطقة العربية لزيادة شرذمنها وضعفها ، وبعد ذلك ستفرض … الإستسلام … الذي تريده هي على الفلسطينيين والعرب . ولهذا فإنه من المتوقع أن يعمل الثنائي المتطرف نتنياهو وترامب على محاصرة الفلسطينيين وإضعاف السلطة ، ودفع بعض الدول العربية إلى الإعتراف بإسرائيل والتطبيع معها قبل إيجاد حل صهيوني يقررّه ويقبله اليمين الإسرائيلي ، وتتبنّاه أمريكا ، ويفرضه الحليفان على الفلسطينيين والعرب لإنهاء الصراع وفتح أبواب الوطن العربي للتغلغل والهيمنة الصهيونية – الأمريكية .

الدول العربية قبائل يحكمها قادة لا ينتمون إلى هذا العصر وتسكن في مضاربها شعوب مهزومة مستسلمة . إنها تتهاوى بسرعة وتفقد قدرتها على حماية نفسها ، وتسلّم مصيرها لإسرائيل ، وأمريكا ، ولمرتزقة أجانب ، ولأحزاب ومؤسسات دينيّة متصارعة هدفها شرذمة الأمّة دينيّا وجغرافيّا واجتماعيّا .

إذا لم تتحرّك الشعوب العربية لتغيير هذا الواقع ، فإن هذا الجنون الدائر في أوطانها يستستمر حتى يحرق كل شيء ، ويغيّر التركيبة السكانيّة والسياسيّة واللغويّة للمنطقة بأسرها ، وسيشهد التاريخ أن … مشيخات قبائليّة كانت تسمى دولا عربية … ، عاشت في المنطقة في الماضي ، واندثرت بسبب خلافات ومآمرات حكّامها ، ونفاق وشقاق رجال دينها ومفكّريها ، وجهل وتخاذل شعوبها .

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here