كنوز ميديا/ بغداد..

هل تعيد تصريحات ترامب عن اقامة منطقة آمنة في سوريا ومحيطها التوتر بين روسيا واميركا؟ وهل تحيي آمالَ دول عربية وفي مقدمتها السعودية بحجز حصة لها في المساحة السورية، خصوصا انها تتهيأ لتقديم أوراق اعتمادها للإدارة الاميركية الجديدة عن طريق تبني عنوان يدغدغ مشاعر ترامب من خلال “التحالف الاسلامي لمكافحة الارهاب”؟ وأيضا: هل يتسبب هكذا مشروع في تفكيك عرى التفاهم الروسي- التركي الحديث العهد؟

من الواضح ان ادارة ترامب تتحرك بفعل عوامل داخلية وخارجية عدة، وهي تحاول منذ الأيام الاولى استعادة الدور الأميركي المتراجع دولياً عن طريق رفع شعار “عظمة أميركا”. هذا الشعار قد لا ينسجم في بعض المحطات مع خطاب ترامب في حفل تنصيبه رئيساً: “أميركا أولاً”، خصوصا اذا كان يترتب على التدخل في سوريا مثلاً تكاليف ومهام لطالما كانت ادارة اوباما تحسب لها حساباً.

قيل الكثير عن علاقات خفيّة تربط ترامب شخصياً بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، واعتقدَ الكثيرون- بناءً على الإشارات الودية التي تبادلها الرجلان خلال الانتخابات الرئاسية الأميركية – ان الطرفين سيلتقيان على التعاون في شأن سوريا. غير ان التشكيلات التي تمت في ادارة ترامب تثير أسئلة مشروعة حول قدرة ترامب على فرض رؤيته في هذا الشأن.

 فبعض الأقطاب في الحكومة الأميركية هم جمهوريون أصيلون ويحتفظون بنظرة سلبية الى روسيا، كما الى الصين، وبالتالي قد لا يكون من السهل على ترامب تمرير اي مشروع تعاون مع روسيا على الصعيد الدولي بوجود هذه الشخصيات التي تتربص به لتثبيت التهمة عليه من داخل الحكومة او من داخل الكونغرس.

لهذا، سيكون موضوع المنطقة الآمنة في سوريا أول اختبار أمام توجهات ترامب حيال روسيا. والأخيرة لديها من المرونة الكثير لكي تستوعب اندفاعة الإدارة الأميركية الجديدة ومحاولة تكوين قواسم مشتركة معها. واذا كانت مشاريع التنسيق بين الجانبين في سوريا قد فشلت في السابق بسبب تحفظات العسكريين الأميركيين، معطوفة على النظرة السلبية التي تحكم السياسيين الأميركيين، فإن هذا المصير يبدو ماثلا الآن ايضاً، خصوصا وان روسيا تقف على أرض صلبة الى حد كبير بعد الإنجازات التي تحققت في الآونة الأخيرة، وهي لن تفرّط بكل ما سبق من أجل إدخال لاعبين فاشلين الى الميدان مجددا.

والأمر منوط بما سيقدّمه ترامب من رؤية للدور الروسي في هذا المشروع الذي يتطلب قراراً من مجلس الأمن الدولي حيث تحتفظ روسيا والصين بـ”الفيتو” الذي استخدمتاه خمس مرات في الأعوام القليلة الماضية. ومن اللافت ان التشدد الروسي في سوريا قد يصل الى مداه مع ما ذكرته صحيفة “موسكوفسكي كومسوموليتس” أن “خبراء معهد التحليل السياسي للبنية التحتية” الروسي قد اقترحوا على الرئيس الروسي بوتين إنشاء كونفدرالية بين روسيا وسوريا!، وذلك في مواجهة “الإرهابيين وقوى الشر”.

 

السعودية والتقاط الفرصة الضائعة

 

توجّه الحكومة السعودية خطابات تودّد علنية الى الادارة الأميركية الجديدة، برغم كل ما قيل عن انكفاء أميركا نحو مشاكلها الداخلية. وقد التقط المسؤولون السعوديون تصريحاً لترامب قبل تنصيبه أعلن فيه تأييده لإقامة مناطق آمنة في سوريا، ورأوا فيه مؤشراً يُبنى عليه لتشجيع واشنطن على التدخل العسكري في سوريا، بما يتيح للرياض إحياء آمال قديمة في إضعاف الجيش السوري واسقاط النظام السياسي في سوريا.

صحيح ان السعودية تمر في وضع صعب مالياً، وهي لم تخلص الى إنجاز حربها في اليمن الذي يبدو مستنقعاً طويل الأمد، إلا ان عرض ترامب في شأن سوريا يلقى استحساناً بل وترحيباً خاصاً من السعودية وقطر ودول اخرى من بينها تركيا، وهذه ترى ان ذلك يمنحها فرصة تأسيس أرضية تعاون مشترك مع ادارة ترامب التي تنظر بعين الريبة الى تلك الدول التي تتهمها دوائر اميركية من كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري برعاية الارهاب.

واذا كانت المشكلة لدى ترامب في التمويل، فالدول الخليجية الغنية بالنفط لا تجد حرجاً في تخصيص أموال للإنفاق على هذا المشروع، ولو انها تعاني حالياً من ضائقة مالية، باعتبار ان ذلك يقرّب المسافة الفاصلة عن اميركا المنكفئة على نفسها ويشجعها على الخوض مجدداً في نزاعات لا قِبَل للدول الاقليمية المعنية على مجابهتها بمفردها. إضافة الى ان ذلك ينعش آمال هذه الدول في حجز حصة لها في الجغرافيا السورية ذات الأهمية الحيوية.

وبالفعل، بدأت السعودية في تفعيل ما يسمى “التحالف الاسلامي لمكافحة الارهاب” الذي اعلنت من جانب واحد عن تأسيسه في العام 2015 لاجتذاب اهتمام ادارة أوباما آنذاك، وهي عينت مؤخرا قائد الجيش الباكستاني السابق راحيل شريف قائدا عسكرياً لهذا التحالف، بعدما تم استقدامه من اسلام اباد الى الرياض على متن طائرة ملكية خاصة.

كما استضافت الرياض اجتماعاً لرؤساء اركان 14 دولة في نطاق التحالف المذكور. ويمكن لقوات عربية- اسلامية ان تتحرك في الرقة حيث معقل داعش المهم، خصوصا ان الإدارة الاميركية تجد صعوبة في تسويق القوات الكردية للسيطرة على الرقة التي تتكون من غالبية سورية عربية.

عقدت تركيا تفاهماً مع روسيا بشأن سوريا، وهو تفاهم غير نهائي كما يبدو، ويتم بناء خطواته حجراً فوق حجر، انطلاقاً من ارادة سياسية لدى الجانبين تأسست على مصلحة مشتركة وتوتر علاقات كليهما مع المعسكر الأميركي.

لكن عرض ترامب بإقامة منطقة آمنة يخاطب طموحاً طالما عبّرت انقرة عنه لإقامة هذه المنطقة تحت نظرها ورعايتها وبإسناد عسكري من الناتو وعلى رأسه أميركا. واذا كانت أميركا- اوباما قد استبعدت هذا الطرح لأسباب عسكرية، وللاختلاف مع الطموح التركي ولتفضيل التعامل مع الأكراد الأكثر مطواعية، فإن اميركا- ترامب تجد في هذا الطرح حجراً يمكن من خلاله إصابة عدد من الأهداف، ومن بينها استعادة تركيا الى نطاق الاستراتيجية الأميركية.

 وهنا ستجد انقرة نفسها عالقة في الاختيار بين المعسكرين، ما سيعقّد انطلاقة مسار آستانة المبنيّ على التفاهم التركي- الروسي. ومن المهم الإشارة الى ان تركيا قد تجد انها غير منسجمة تماماً مع مشروع الدستور الذي اقترحته روسيا على المجتمعين في آستانة بما يتضمنه – كما قيل- من منح حكم ذاتي لمجموعات مختلفة من بينها أكراد سوريا.

بعد هذا العرض كله، لا بد من إضافة ان إقامة مناطق آمنة في سوريا وحولها مشروع له مخاطر ديمغرافية ايضاً، تطال الدول التي قد يقام هذا المشروع على ارضها. لأنه يحمل في طياته كلاماً واضحاً عن توطين. فالمشروع ينص على الطلب من وزارتي الخارجية والحرب الأميركيتين “وضع خطة في غضون 90 يوما لتوفير مناطق آمنة في سوريا وفي المنطقة المحيطة يمكن فيها للمواطنين السوريين الذين نزحوا من وطنهم انتظار توطين دائم مثل إعادتهم لبلادهم أو إعادة توطينهم في بلد ثالث”.

وبما ان الدول الاوروبية “اكتفت” من اللاجئين السوريين، وبما ان ترامب نفسه لامَ المستشارة الألمانية ميركل على استقبالها لبعض اللاجئين، وهو يستعد لفرض حظر على استقبال أميركا للاجئين من دول عدة من بينها سوريا، فان البلد الثالث الذي يشير اليه ترامب في مشروع القرار التنفيذي قد يتحول الى البلد الثاني الذي يستقبل اللاجئين حاليا، اي ان اللاجئين قد يتم توطينهم بشكل او آخر في البلدان التي يقيمون فيها، وقد لا يكون هناك بلد ثالث مستعد لاستقبالهم اذا لم تسمح الظروف بعودتهم الى وطنهم.

المصدر .. موقع العهد الاخباري

المشاركة

اترك تعليق