كنوز ميديا – متابعة 

هبط من سيارته والمكان حوله مكتظاً بالناس. وفي طريقه نحو المنبر، امتدت بعض الأيدي المشتاقة نحو عبائته لتلمسها، وأخرى على عمامته السوداء لتتبارك بها. عشرون دقيقة متبقية حتى يصل الى المنبر، والأجواء ممتلئة بالنداءات والشعارات الحماسية والشغوفة، وكان من المحال إسكات هذا الجمع الغفير.

ولو عدنا بالذاكرة سنستحضر “إن تجربة المقاومة مبنية في بعدها المعنوي على الإيمان واليقين والتوكل والإستعداد للتضحية، ولكنها مبنيّة أيضا على العقل والتخطيط والتنظيم والتعليم والتمرين والتسليح.. وهذه التجربة لابد من نقلها للعالم أجمع”.

هذه التصريحات الحماسية التي أنعشنا بها ذاكرتنا، هي أقوال السيد حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله لبنان والتي أدلى بها في العام 2006، خلال الإحتفال بانتصار المقاومة في حرب الـ33 يوم.

ومنذ ذلك اليوم أخذت الأنظار العالمية تتجه نحو محور المقاومة، لبحث هذه التجربة التي تمكن من خلالها حزب الله الإنتصار على جيش الكيان الصهيوني في حرب الـ33 يوما.

كيف تأسس حزب الله وأين نمت الجذور الأولى له؟ ومن هي الشخصيات اللبنانية التي حددت مسيره وكان لها الدور الرئيس في تأسيسه؟

وسنستلهم الأجوبة على هذه الأسئلة من كتاب قيّم بعنوان “جنود الله، حزب الله من الداخل، 30 عاما من المعارك مع اسرائيل”، والكتاب من تأليف المحقق والمحلل الفرنسي البارز “نيكلاس بلانفورد”. بلانفورد الذي عاصر العديد من الأحداث لمدة ستة عشر عاما في كل من لبنان وفلسطين.

يورد الكاتب في القسم الأول من الكتاب: احتشدت بعلبك بالناس الوافدين من جميع المدن اللبنانية لحضور مراسم أربعين الإمام الحسين عليه السلام، وبقصد الإستماع الى خطاب شخص واحد، كان شيخا ايراني الأًصل، طويل القامة وله شعبية كبيرة ومحبوبا في الأوساط الشيعية والمسيحية، ألا وهو السيد موس الصدر (المعروف بين أتباعه بالإمام موسى الصدر المتواضع وصاحب الصوت الهادئ والرحماني).

وبدأ السيد الصدر منذ قدومه الى لبنان بزرع بذور العزم والإرادة، عن طريق إلقاء الخطابات المتنوعة، متبعا اسلوبا جديدا في الخطابات مبنيا على الصراحة والإعتراض.

وقبل شهر من هذا اليوم، ألقى الإمام الصدر خطبة ظهر فيها غاضبا في قرية بدنايل (تبعد عدة كيلومترات عن بعلبك)، حيث تناول في هذه الخطبة موضوع إهمال الحكومة اللبنانية لبعض المناطق، وعدم تنفيذها لخطط الحكومة الإقتصادية والإجتماعية في بعض المناطق المقرر دعمها. وتطرق أيضا الى عجز الحكومة اللبنانية عن حماية الأهالي القاطنين في جنوب لبنان، مقابل الضربات الجوية لطائرات الإحتلال.

وفي ذلك الخطاب، أعلن الإمام الصدر أنه تم تهميش شيعة لبنان لمدة طويلة، وعلى دراية الجميع، علاوة على منحهم لقب “الموالون” كنوع من السخرية في هذا البلد. معلنا أن زمن الوهن قد ولّى و زمن “الإنقلاب والسلاح” قد بدأ، ومن اليوم فصاعدا لن نصرخ ولن نبكي. ومن اليوم لم يعد اسمنا الموالون، اسمنا أصبح “المرتدون”. وأكمل الإمام الصدر خطبته في ذلك الوقت قائلا: فليثور الرجال، فليثور الرجال على الطغيان، حتى لو كانت هذه الثورة تستلزم أن نفدي أرواحنا.

وفي ذلك اليوم، قرّر المؤمنين الشيعة أن يستجيبوا لنداء الامام الصدر قائلين وهم يرفعون أسلحتهم في السماء: لبيك لبيك. ومنذ ذلك الوقت لم يعد شيعة لبنان خاضعين لأي جهة، وبات لهم دور مهم في الحكومة ولبنان.

وفي أحد الخطب التي ألقاها الإمام الصدر في مناطق بعلبك، بعد أن استقبله السكان استقبالا حارا، قال الإمام الصدر في ذلك التجمع: لدي كلام أشد حرارة من الرصاصة، لذا احتفظوا بسهامكم الآن. وأراد من هذه الديباجة الحماسية أن يدعوا الحاضرين على الهدوء ليلقي كلمته.

وألقى الإمام الصدر خلال الخطاب باللوم على الحكومة اللبنانية لتقصيرها بتحقيق الطلبات الأساسية للشعب، وأشار الى الحالة المأساوية في بعلبك حيث لاتوجد فيها سوى مدرسة واحدة، على الرغم من أن عدد ساكنيها يتجاوز العشرة آلاف، وهذه المدرسة شيّدت منذ حوالي 30 عاما في زمن الإحتلال الفرنسي للبنان. وتطرق الإمام خلال الخطاب الى الإنتهاكات المتواصلة لقوات الاحتلال الاسرائيلي والمجموعات الفلسطينية المسلحة على جنوب لبنان، وتعرض السكان للظلم والقهر والإهانة في تلك المنطقة.

من خلال هذا النهج تمكن الإمام موسى الصدر من وضع الحجر الأساس لحزب الله في لبنان، لاسيما بعد أن عانى أهالي تلك المناطق للعديد من الإعتداءات الخارجية من جهة، والتخاذل والتواطؤ من الداخل من جهة أخرى.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here