عبد الباري عطوان –

ان يتفق ستيفان دي ميستورا، المبعوث الدولي الى سورية، مع السيد حسن نصر الله، زعيم “حزب الله”، على ان الحل العسكري بات يتقدم كثيرا على الحل السياسي الذي تراجع كثيرا، وبات في حكم المنتهي، فهذا هو أحد أبرز مفارقات المشهد السوري في أحدث فصوله.

دي ميستورا قال أمس ان انهاء الحرب بات مهمة مستحيلة في ظل انهيار الهدنة وتصاعد القصف، اما السيد نصر الله فقد نقلت عنه صحيفة “الاخبار” اللبنانية المقربة منه اليوم (الثلاثاء) قوله “لا آفاق للحلول السياسية والكلمة الفصل للميدان”.. او لا توجد معارضة معتدلة، فإما مع “النصرة” او “داعش”.

الميدان في حلب في ذروة اشتعاله، فروسيا تتبنى حاليا الحل العسكري، وباتت تطبق سيناريو “غروزني” أي القصف المكثف من الجو للتمهيد لتقدم القوات البرية على الأرض منذ يوم الخميس الماضي دون هوادة، بينما بدأت القوات السورية تتقدم باتجاه حلب الشرقية وحققت بعض المكاسب من بينها استعادة حي الفرافرة شمال غرب قلعة حلب، وهناك توقعات بأن استعادة باقي انحاء المدينة بات مسألة أيام او أسابيع على الأكثر.

أمريكا باتت مهتمة بالمناظرة التلفزيونية بين مرشحي الرئاسة هيلاري كلينتون ودونالد ترامب، أكثر من اهتمامها بما يجري في مدينة حلب، رغم صراخ حلفائها العرب، والتغطية الإعلامية المكثفة بالصوت والصورة لحجم الدمار وارتفاع اعداد القتلى، والمدنيين والأطفال خصوصا.

سامنثا باور، مندوبة امريكا في الأمم المتحدة تصرفت مثل نظرائها في جامعة الدول العربية، عندما أعلنت امام مجلس الامن “ان ما تفعله روسيا في حلب ليس محاربة الإرهاب.. وانما اعمال بربرية”، واكتفت هي ونظيرها البريطاني ماثيو ريكليف، الانسحاب من قاعة المجلس عندما بدأ السيد بشار الجعفري، مندوب سورية، بإلقاء كلمته، وهي الكلمة التي أكد فيها “ان الحرب على الإرهاب لم تبدأ مطلقا وان الانتصار السوري بات حتميا ومؤكدا”.

روسيا ناورت بدهاء عندما انخرطت في العملية التفاوضية في جنيف وفيينا تحت عنوان البحث عن حل سياسي من اجل كسب الوقت، وأوقعت جون كيري وزير الخارجية الأمريكي في مصيدتها، عندما جرته الى توقيع اتفاق بالهدنة لمدة أسبوع، يتلوه هجوما روسيا أمريكيا مشتركا لاجتثاث جبهة “فتح الشام” النصرة سابقا، وعندما افاق من غيبوبته ووجد نفسه خلف قضبان قفص هذه المصيدة، كان الوقت متأخرا.

الرئيس الروسي بوتين أدرك جيدا ان أمريكا لا تملك الرغبة ولا القدرة على فعل أي شيء في سورية لمصلحة حلفائها على الصعيد العسكري خصوصا، ولعل الناشط السوري الذي أحرج كيري في مؤتمر لندن، وانتزع منه “اعترافه”، بأن أمريكا لن تدخل في حرب من اجلكم (السوريين)، كان الأكثر فاعلية وتأثيرا من كل الادبيات السياسية، وربما العسكرية للمعارضة السورية، لأنه فضح حقيقة السياسة الامريكية ونواياها في بلاده، وكشف وجهها الحقيقي الذي يعرفه الكثيرون.

استعادة الجيش السوري لمدينة حلب، إذا ما تحققت، تعني “إنجازا” معنويا وسياسيا كبيرا للحكومة السورية، لان هذا الإنجاز يؤكد ان جميع المدن السورية الكبرى باستثناء ادلب، مثل حماة وحمص ودمشق، علاوة على اللاذقية ومدن الساحل باتت تحت سيطرتها.

المعارضة السورية كانت تريد ان تجعل من حلب عاصمة لها، على غرار ما فعله حلفاؤها في اليمن، عندما جعلوا عدن عاصمة بديلة لحكومة منصور هادي وانصارها، ولكن غياب الإرادة القتالية الامريكية، وانشغال حليفها السعودي الأكبر بأزماته المالية وحربه في اليمن، وتغيير حليفها التركي الآخر لأولوياته، والتركيز على إقامة المنطقة العازلة لإحباط المشروع الانفصالي الكردي، وإعادة توطين اللاجئين السوريين فيها، جعل تحقيق هذه الأمنية صعبا ان لم يكن مستحيلا.

المفاجآت واردة، وهناك أحاديث متزايدة عن احتمال رد أمريكا على هزائمها هذه على الأرض السورية، بتسليح المعارضة عبر حلفائها العرب بصواريخ مضادة للطائرات محمولة على الكتف، تكرارا لتجربة الحرب الأفغانية، التي انتهت بهزيمة القوات السوفييتية وانسحابها.

أي صواريخ أمريكية حديثة تسلم للمعارضة السورية ربما يؤدي الى استخدامها ضد الطائرات الروسية، وليس السورية فحسب، وهذا خرق لكل الخطوط الحمراء، والاقتراب من الصدام المباشر الروسي الأمريكي، الامر الذي لا تريده القوتان العظميان حتما.

دي ميستورا والسيد حسن نصر الله اصابا في تنبؤاتهما، بأن الحل السياسي انتهى فعلا، والكلمة الفصل باتت في الميدان، وعلى ارض المعارك، والأيام والاسابيع المقبلة ربما تكون الأخطر في السنوات الخمس من عمر الازمة السورية،  والله اعلم.

 

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here