على وقع أنين أيامى النفط وثكالى الغاز في حلب والتي تملأ الإعلام النفطي، تذكرت جعجعات الجبير وقعقعات العسيري، اللذين كانا يتنافخان قبل أشهرٍ عدة بحوازمٍ شبيهةٍ بحازمة اليمن في سوريا، كما تضخمت لدى كل المحللين والكتاب التابعين لبرميل النفط غدة الأنا، لدرجةٍ اضطر معها وزير الخارجية السوري وليد المعلم للكشف عن مخزون بلاده من التوابيت الخشبية.

أما الآن فهم يطالبون بتدخلٍ أمريكي بريطاني فرنسي، ولا أدري لماذا غاب عنهم مطالبة الحازمين في مملكة الرمال بالتدخل وفاءً بالعهود، وأسترجع هذا التاريخ ليس من باب التساؤل بل من باب التذكير، بأن هؤلاء مجرد أبواق لا يكادون يفقهون قولا، وأن آل سعود أقل من دميةٍ بلاستيكية لا تعدو كونها أحد مشتقات النفط. وأما صولات أردوغان وجولاته، فهي كمن يصارع طواحين الهواء، يحاول أن يلفت الانتباه إلى قوته وقدراته فيُضحك الناس على حماقته، وكما يقول جهاد الخازن-وهو ليس شبيحًا، بل نفطي الهوى- كلما تحدث أردوغان يكشف مرة أخرى عن ضيق فكره السياسي، وقد قلت من قبل بأن سلوكيات أردوغان لشدة حماقتها في سوريا تشبه من يقدم الخدمات للجميع وسيتلقى الصفعات لقاء خدماته أيضًا من الجميع.

وبما أننا في أجواء الاستذكار، فإن من تبهرهم السياسات الإخوانية أو الوهابية لشدة اندفاعها، يذكرونّي بقول الشاعر حين ضرب مصر زلزال فقال مخاطبًا الخديوي “ما اهتزت مصر من كربٍ ألمَّ بها، لكنها رقصت من عدلكم طربًا”. قد تكون حالة هذا الشاعر أفضل منهم، فشعره واضح النفاق لا الحماقة، أما هم فلا تستطيع تمييز الخط الفاصل بين نفاقهم وحمقهم، حيث أنك تشعر أنهم يصدقون ما يقولون، واللافت أنه على أثر عمليات الجيش السوري في حلب يتم التركيز على الوضع الإنساني وليس على الوضع العسكري وسير المعارك، فالمتابع للإعلام النفطي يترسخ لديه انطباعٌ يقيني بأن الصورة في حلب هي جيش مدجج بالسلاح يهاجم مدنيين، كما وصفهم بيان ما يسمى هيئة العلماء المسلمين في السعودية بالمدنيين العُزّل، وهذه الطريقة في التناول هي أحد شواهد الهزيمة. فحينما تكون الجماعات الإرهابية في حالة تقدم لا نكوص كما هي الآن، تغيب إنسانية النفط ويصبح الحديث عن التقدم العسكري الذي تحرزه “المعارضة المسلحة” وخرائطه وبطولاتها، ولا يقتصر الجانب الإنساني على الإعلام، بل يتعداه إلى المستوى السياسي والقانوني، فأصبح الشغل الشاغل للسياسيين الأمريكيين وأعضاء الكونجرس هو الوضع الإنساني في حلب، وتلاهم كل الساسة الأوروبيين وصولًا لرئيس حلف الناتو، كما أنهم يجهدون في تنقيب القواميس اللغوية عن مفردات صادمة لوصف ما يجري، فمرة بشعة ومرة شنيعة وأخرى مرعبة وتارة غير مسبوقة وتارة عار على الإنسانية، وكل هذا في إطار الضغط لوقف عمليات الجيش في حلب.

أثناء تواجد ما يسمى بـ”المعارضة السورية” في الولايات المتحدة على هامش انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، قامت “المعارضة” بإخراج سيء ومثير للسخرية لعملية طردها من هناك، حيث قامت بتصوير الأمر باعتباره قطعًا للزيارة لمتابعة ما يجري في حلب، وما يجري في حلب كان قد جرى قبل سفر الوفد وما زال يجري. وبعد المتابعة الحثيثة التي أجرتها ما تسمى بـ”المعارضة”، خرجت اليوم بعد اجتماعها في اسطنبول بتوصية مفادها أنه ما زال أمام الولايات المتحدة متسع من الوقت لوقف العمليات السورية والروسية في حلب، وهذا ما يُشكل آثارًا هائلة جبارة للمتابعة وقطع الزيارة، كما كان هناك توصية بتوحيد الجهود السياسية والعسكرية للـ”معارضة” وتحدٍ بعدم السماح بسقوط حلب، هذا في الوقت الذي أوردت فيه بعض المحطات الفضائية الخليجية تصريحات منسوبة لمصدر أمريكي رفض الكشف عن اسمه، بأن السعودية ودول خليجية أخرى قد تقوم بتزويد “المعارضة المسلحة” بمضادات أرضية للطيران، مع الأخذ بعين الاعتبار تصريحات الناطق باسم البيت الأبيض حين قال “إن روسيا بتدخلها في الصراع الطائفي في المنطقة تضغط على اقتصادها الذي لا يحتمل ذلك وتزيد من عزلتها الدولية”.

في الوقت الذي نشرت روسيا ما قالت أنه نص الاتفاق الروسي الأمريكي، اعتبر السيد نصرالله أن الكلمة للميدان مع غياب الآفاق السياسية، وأكد على النصر مجددًا مع عدم الارتياح لنوايا الإرهاب وداعميه بمحاولة القيام بأعمالٍ إرهابية في لبنان، وبالنظر لنص الإتفاق المنشور يبدو أنه رأس جبل الجليد، فلا شيء فيه يدعو الولايات المتحدة لتحافظ على سريته، وهو ما يبدو جزء من السجال القائم منذ انهيار اتفاق وقف النار دون المساس بمركزية الرغبة الأمريكية. نستطيع أن نستنتج من تناقض هذه الأحداث والتصريحات، بأن الحقيقة الوحيدة هي أن الولايات المتحدة لا تريد كسر الخطوط الحمراء مؤقتًا، وفي ذات الوقت لا تريد انتصارًا سهلًا لسوريا وحلفائها، وهو ما يلوح في الأفق قريبًا.

 ايهاب زكي / بيروت برس

aq

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here