A general view shows Syrians driving down the street in front of a damaged building in a government-held area of the central Syrian city of Homs on September 19, 2016. / AFP PHOTO / LOUAI BESHARA

 أثار إنهيار الهدنة في سوريا التي نجمت عن الإتفاق الروسي – الأمريكي والتي كان من المؤمل أن تضع حدّاً لنزيف الدماء في هذا البلد؛ أثار إستغراب العديد من المراقبين، لأن كل من واشنطن وموسكو كانتا تتحدثان بلغة دبلوماسية متقاربة في هذا المجال وتصدران بيانات مشتركة حول هذا الموضوع، رغم التفسيرات المتباينة التي كان يطرحها الجانبان عن طبيعة هذه الهدنة وطريقة التعاطي معها على أرض الواقع.

فالجانب الأمريكي حاول في الأيام الأخيرة الإيحاء بأنه لا يرغب في التورط أكثر في المستنقع السوري، لكنه سعى في الوقت ذاته إلى عدم ترك الخيار بيد روسيا لرسم مسار الأزمة السورية.

وكان من المقرر أن تسمح الهدنة بإيصال المساعدات الإنسانية إلى المناطق التي لا تزال بيد الجماعات الإرهابية لاسيّما تنظيم “داعش” في سوريا، وأن تمهد الأرضية لإجراء محادثات للتوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية بشكل يضمن تحقيق مطلب الإدارة الأمريكية برحيل الرئيس بشار الأسد عن السلطة على المدى البعيد.

وتجدر الإشارة إلى أن القيادة الروسية كان يساورها منذ البداية قلق تجاه الأهداف التي كانت تتوخاها واشنطن من الهدنة في سوريا، لكنها سعت في الوقت نفسه إلى إيصال رسالة إلى البيت الأبيض مفادها بأن مصير الرئيس السوري لا يمكن أن يتحدد من خلال الضغوط الخارجية وعلى واشنطن أن تعي جيداً هذا الأمر وتعترف على مضض بأن الأسد لا يمثل الخطر الرئيسي في الأزمة السورية، وينبغي عليها كذلك أن تتصرف كما تصرف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في هذا المضمار وأعلن عن ذلك بشكل رسمي.

ولكن مع ذلك لازالت الإدارة الأمريكية تصر على إدراج رحيل الأسد في أيّ محادثات سياسية قادمة رغم تراجعها عن المطالبة بتحديد توقيت زمني لتنفيذ هذا الشرط، خصوصاً بعد الإنتصارات الكبيرة التي حققها الجيش السوري وقوات الدول الحليفة لاسيّما إيران وروسيا ومحور المقاومة الذي يتصدى للمشروع الصهيوأمريكي في المنطقة.

وتعتقد موسكو بأن واشنطن قد أدركت تماماً بأن الحكومة السورية باتت اليوم أكثر قدرة من أيّ وقت مضى وعليها أن ترضخ إلى حقيقة أن بشار الأسد باقٍ في السلطة في المستقبل المنظور، وهذا الأمر كان قد صرّح به مراراً العديد من المسؤولين الروس بينهم وزير الخارجية سيرغي لافروف.

في هذا السياق إعترف رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية “الجنرال جوزيف دانفورد” أن القوات السورية تمكنت من تعزيز مواقعها بشكل ملموس مقارنة مع العام الماضي، مشيراً إلى أن الرئيس الأسد أصبح أقوى بكثير مما كان عليه قبل عام.

وأثبتت هذه الحقائق بأن مساعي أمريكا لتأجيج النزاع في سوريا لم تعد مجدية، ولابدّ من الإذعان للحلول الدبلوماسية التي تؤكد عليها موسكو وطهران لوضع حد للأزمة في هذا البلد.

ومن الضروري التأكيد على أن أيّ هدنة يراد إقرارها في سوريا لا ينبغي أن تتيح المجال للجماعات الإرهابية كي تعيد تنظيم صفوفها، بل يجب أن تصب في صالح الجهود الرامية إلى تقليص مخاطر هذه الجماعات تمهيداً للقضاء عليها في المستقبل باعتبارها تمثل خطراً ليس على سوريا والمنطقة فحسب؛ بل على الأمن والاستقرار في العالم بأسره.

وكان حريٌ بالمعارضة السورية غير المسلحة إستثمار الهدنة وتكثيف الجهود لإجراء مفاوضات سياسية بهدف التوصل إلى تسوية سلمية للأزمة، خصوصاً وإن التطورات الميدانية التي شهدتها مختلف مناطق القتال لاسيّما في حلب قد أثبتت بأن الجيش السوري تمكن من تضييق الخناق على الجماعات الإرهابية رغم الدعم التسليحي واللوجستي الذي تتلقاه من أطراف خارجية في مقدمتها السعودية، وهذه الحقيقة هي التي دفعت في الواقع تركيا إلى إعادة النظر في سياستها تجاه الأزمة السورية وأخذت تلوّح بين الحين والآخر بإمكانية حل هذه الأزمة بالطرق الدبلوماسية ولم تعد تطرح مسألة تنحي الأسد عن السلطة كما كانت تفعل في السابق.

ومن المتوقع أن تعمد موسكو إلى إقناع المعارضة السورية غير المسلحة بالدخول في مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع الحكومة السورية والتحرك باتجاه الحل الفيدرالي لإقامة أقاليم بإدارة ذاتية لاسيّما في مناطق شمال وشمال شرق البلاد ذات الغالبية الكردية شريطة المحافظة على وحدة الأراضي السورية.

ومن نافلة القول التأكيد بأن أمريكا لا يمكن أن تكون طرفاً محايداً أو منصفاً في أيّ محاولة لتسوية الأزمة السورية طالما هي تسعى لخلط الأوراق في الميدان، كما حصل مؤخراً عندما قصفت طائراتها مواقع الجيش السوري في محيط مطار دير الزور المحاصر من قبل “داعش”.

بعد هذه التطورات بدأت موسكو تستعد لخوض أسوأ السيناريوهات المحتملة في سوريا، ويعتقد الكثير من المراقبين بأن القيادة الروسية قد تلجأ لاتخاذ تدابير إنتقامية ضد الجماعات الإرهابية التي تتلقى تدريبات على يد القوات الأمريكية كما فعلت في وقت سابق من العام الجاري.

وتعتقد القيادة الروسية بأن الإدارة الأمريكية لا زالت تسعى لإثارة الشكوك حول إمكانية تسوية الأزمة السورية من خلال الزعم بأن بقاء الرئيس الأسد على رأس السلطة يحول دون التوصل إلى حل لهذه الأزمة ولهذا تحركت باتجاه نقض الهدنة الأخيرة كما حصل في المرة السابقة قبل عدّة أشهر.

وتؤكد موسكو أن الإدارة الأمريكية ليست بصدد إيقاف نزيف الدم في سوريا وتتحرك بكل ما لديها من وسائل لتخفيف الضغط عن الجماعات الإرهابية كي لا تجبر على القبول بأيّ حل سلمي يمكن التوصل إليه بين الحكومة السورية وأطراف المعارضة غير المسلحة بإشراف المجتمع الدولي وتحديداً الأمم المتحدة التي أعلن مبعوثها الخاص “ستافان دي ميستورا” إن الإجتماع الذي عقد الخميس على هامش إجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك لبحث تجديد وقف إطلاق النار في سوريا، لم يتوصل إلى قرار ملموس بهذا الخصوص.

وتشدد القيادة الروسية أيضاً على ضرورة أن تفضي أيّ محادثات سياسية بشأن سوريا إلى تحقيق أمرين مهمّين؛ الأول: بقاء حكومة الرئيس بشار الأسد، والثاني: إنهاء وجود الجماعات الإرهابية في هذا البلد، وهو ما تعارضه الإدارة الأمريكية في الواقع وإن تظاهرت بخلاف ذلك أمام وسائل الاعلام. وقد بات واضحاً للجميع من طريقة تعاطي واشنطن مع إتفاق الهدنة في سوريا عدم جديّة الإدارة الأمريكية في فصل الإرهابيين عمّا يسمى المعارضة المعتدلة في هذا البلد.

من خلال قراءة هذه المعطيات يبدو أن الأزمة السورية عادت إلى النفق المظلم وعلى الشعب السوري أن يتحمل المزيد من المآسي والكوارث الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية طالما إستمرت أمريكا وحلفاؤها بصب الزيت على النار من خلال دعم الجماعات الإرهابية ومحاولة عرقلة أيّ مسعى للتوصل إلى حل سلمي لهذه الأزمة.

لمصدر: ناشيونال إنترست

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here