لا شك أن الواقع في سوريا ما يزال بعيداً عن الحلول القريبة. في حين يبدو واضحاً أن الوضع الذي كانت عليه البلاد منذ سنوات أي مع بداية الحرب السورية، تغيَّر وتبدَّل لنجد أنه اليوم يختلف بشكلٍ كبير عما كان عليه حينها. خصوصاً لجهة أن النظام السوري عاد ليُمارس حقه كطرفٍ يُدير مصالح السيادة السورية. وهو الأمر الذي بات محطَّ تحليل الخبراء، لا سيما بعد أن أفقدت هذه النتيجة كافة المساعي الأمريكية والغربية الى جانب العربية من جوهرها، وأسقطتها في خسارة رهاناتها، مما انعكس على وضعها الإقليمي والدولي. فكيف أصبحت سوريا محطَّ خلاف الحلفاء الذين اجتمعوا لقهرها؟

 

الحرب في سوريا: سبب خلاف أمريكا وحلفائها

كما كانت الحرب سبب التحالف الدولي والإقليمي ضد النظام السوري، أصبحت اليوم سبباً للخلاف حوله وحول مستقبل السياسة الإستراتيجية لهؤلاء الحلفاء. وهنا يمكن إيجاز أبرز الخلافات بالتالي:

أولاً: خلال شهر تشرين أول 2015 ظهرت خلافات علنية بين المعسكر العربي التركي وأمريكا. حيث بان واضحاً أن الرؤية الأمريكية التي استسلمت للواقع السوري بأنه بدأ يأخذ منعطفاً جديداً، تختلف في توجهاتها مع المعسكر العربي التركي الذي وجد من التسليح للمجموعات الإرهابية، خطته الوحيدة، في ظل واقعٍ ميداني متراجع. وهو ما دفع وزير الخارجية القطري “خالد بن محمد العطية” ليُصرِّح في مقابلة تلفزيونية حينها، بأن “مجلس الأمن الدولي لا يقوم بما فيه الكفاية لحماية المدنيين وهو ما يستدعي تدخل الدوحة”. الأمر الذي أظهر الى العلن بروز ما يُسمى بخطة تشكيل قوات عربية تركية للمشاركة في الحرب السورية على غرار اليمن. وهنا لا نقول بأن أمريكا لم تكن مُقتنعة بدعم الإرهاب، بل على العكس هي قامت بذلك وما تزال، لكنها في الحقيقة كانت أقرب الى الواقع من حلفائها، من ناحية مقاربة وقراءة الأحداث. وهو ما كان أساساً للخلافات المستقبلية بينها وبين تركيا من جهة، وبينها وبين السعودية من جهةٍ أخرى.

 

ثانياً: تنامي الخلاف القطري السعودي. وهو الأمر الذي لم يكن جديداً في الحرب السورية. حيث أن وجهات النظر السعودية القطرية كانت مختلفة منذ البداية، ولو أن دعم الإرهاب جمع الطرفين. فقد أرادت قطر الإستفادة من الأزمة السورية استراتيجياً واقتصادياً وعلى صعيد السياسة الدولية أيضاً. وهو الأمر الذي ظهر من خلال تغذية الإرهاب، خصوصاً عبر دعمها الكبير بالمال والسلاح لجماعات مثل “جبهة النصرة” و”أحرار الشام”. لكن السعودية والتي تُعتبر ندَّ قطر في دول مجلس التعاون، كانت تطمح لبناء قواتٍ تبقى تحت أمرتها طول الأزمة السورية، كورقةٍ لها تستخدمها في الملفات الإقليمية، مما دفعها لدعم “تنظيم داعش الإرهابي” بالتحديد والذي بقي في واجهة الصراع الإرهابي لفترة طويلة. فاختلفت السعودية مع قطر، في أيديولوجية الدعم، حيث دعمت قطر من يمثل التيار الإخواني المتطرف في سوريا، فيما دعمت السعودية أصحاب الفكر العلماني فيما سُمي بـ “المعارضة السورية”. مما أثار موجة من الصراع الإعلامي بين الطرفين، خصوصاً من خلال الحرب بين قناتي الجزيرة والعربية والمستمرة حتى اليوم.

 

ثالثاً: الخلافات بين أمريكا وتركيا وانهيار الحلف الإستراتيجي. في 30 من شهر آب المنصرم، نقلت رويترز مسارعة أمريكا لإقناع حلفائها “المتناحرين” أي تركيا والأكراد، بالعمل على تركيز نيرانهم ضد تنظيم داعش الإرهابي بدلاً من الحرب فيما بينهم بحسب ما دعاهم وزير الدفاع الأمريكي اشتون كارتر. فيما خرج “بن رودس” نائب مستشار الأمن القومى في البيت الأبيض ليُصرِّح عن الخطر في الصراع التركي الكردي، وإمكانية تأثيره المباشر على المساعي الأمريكية في تكوين “جبهة موحدة” ضد تنظيم داعش الإرهابي. وهو الأمر الذي أحدث مشكلة دبلوماسية لأمريكا مع الطرفين التركي والكردي، في حين لم تستطع واشنطن تبرير دعمها المتناقض للطرفين.

 

رابعاً: الخلافات بين أمريكا والسعودية. الأمر الذي برز مع انعقاد محادثات جنيف الخاصة بسوريا، حيث نقلت “يو أس إيه توداي” بأن أمريكا ترغب في إيقاف الصراع على طريقتها السياسية عبر الحوار البراغماتي، فيما كان موقف ما سُمي بالمعارضة السورية المدعومة سعودياً، يميل لمنع انهيار الجماعات المسلحة. وهو ما تزامن مع كافة محادثات جنيف منذ انعقادها، لكن ذلك برز بشكل كبير مؤخراً. لكن المشكلات بين أمريكا والسعودية والتي أثرت بشكل كبير على الملف السوري، بدأت بالظهور بعد أن أعلن أوباما عن ضرورة الأخذ بعين الإعتبار دور إيران المركزي. الأمر الذي ساهم بطريقة غير مباشرة في انعكاسات سلبية على المعسكر العربي الأمريكي في سوريا.

سوريا والخلافات الأمريكية الداخلية

لم تكن سوريا محط خلافٍ أمريكي مع الحلفاء فحسب، بل محط سجالٍ تطور لخلاف بين الدبلوماسية الأمريكية والبنتاغون. وهو ما إنعكس بالضرر السياسي والدبلوماسي أكثر مما هو بضرره في الميدان السوري، خصوصاً لإظهاره حالة الإنشقاق الأمريكية، وتعارضها مع الهدنة التي توصل إليها وزيرا الخارجية الأمرdكي جون كيري والروسي سيرغي لافروف في 12 أيلول الحالي. وهنا نقول التالي:

 

– في الوقت الذي خرجت فيه الدبلوماسية الأمريكية كما الموقف الرسمي الأمريكي في حديث أن  الموضوع “خطأ غير مقصود”، خرج في المقابل رئيس هيئة الأركان العسكرية في الجيش الأميركي الجنرال “جوزف دانفورد” للدعوة من أجل التدقيق والتحقيق حول ما اذا كان هناك بالفعل “خطأ” أرتكب في دير الزور. مُضمناً كلامه رفضاً لإعتبار ما جرى خطأً وهو الأمر المنطقي في العقلية الأمريكية، الرافضة لإدانتها بأخطاء عسكرية تشوِّه سمعة الجيش الأمريكي.

 

– اعتبر الخبراء الضربة العسكرية الأمريكية، تمرداً على الإتفاق مع روسيا، ورفضاً له. حيث لم تكن الضربة فقط مظهراً للخلاف الأمريكي العسكري مع روسيا بل بين وزارتي الدفاع والخارجية الأمريكية. خصوصاً أن الجيش الأمريكي بات يُراقب بحذر التطور النوعي لكل من روسيا وإيران في المنطقة، والذي لم يجد له أي رادع سياسي حتى الآن.

 

إذن لم يكن وضع أمريكا وحلفائها كما هو اليوم. خرجت الكثير من الأمور عن مسار التحالفات. فيما يبدو واضحاً – وهو الأمر الذي بات موثقاً – خروج الأطراف الدولية من قدرتها على فرض ما تريد، بدون أخذ الإذن من السيادة السورية. فالنظام اليوم بات عرَّاب السياسات الداخلية والدولية الخاصة بسوريا. كل ذلك يبدو واضحاً من خلال عودة النظام نحو إدارته مهام البلاد على الصعيدين العسكري والسياسي. لنقول أن سوريا عام 2011، كانت الدولة التي جمعت أمريكا وحلفاءها لإسقاطها، فتحولت اليوم الى الدولةً التي كانت سبباً في إسقاطهم.

المصدر / الوقت

 

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here