نـــــــــــزار حيدر/
عندما يَكُونُ حالنا على ما هو عليه اليوم، رُبما هو الأَسوء في تاريخ البشريّة، فهذا يعني أَنّنا نمتلك قِيَم الغدير نظريّاً فقط، أَمّا عمليّاً وعلى أَرض الواقع وفي الْحَقيقَةِ الملموسةِ فنحنُ الأبعدُ عنها من بينِ كلّ الخلقِ رُبما، والّا كيف يُمكننا تفسير إِجتماع قِيَم الغدير مع واقعِنا المرّ؟! الّا ان يكونَ في الامر سرٌّ وهو هذا البَون الشّاسع بين المعرِفةِ النّظريّة والواقع المُعاش! أليسَ كذلك؟!.
يعتبر كثيرون انّ الغديرَ يومٌ يكفي ان نُحييهِ بعباراتِ التّهنئة لبعضِنا البعض الآخر وبدعَوات الابتهال الى الله تعالى للثّباتِ على الولايةِ والزّيارات المستحبّة واذا تكرّمنا على الذِّكرى قليلاً فبمُطالعةِ كتابٍ او كتابَين عَنْهُ كتاريخٍ وذكرى وماضٍ!.
أَبداً، فالغديرُ ليس بهذا المعنى، انّهُ قِيَمٌ عظيمةٌ جداً، وهو لا يقلُّ اهمّيةً عن المبعث، بل هُما صِنوانٌ من نورٍ ومنبعٍ واحدٍ، ولقد بيّن القرآن الكريم عظمَة الغدير بآيتَين لم يرُد معناهما في أَيّ أَمرٍ آخر طوال حياةِ رسول الله (ص) وسيرتهِ وجهادهِ وجهودهِ العظيمة وتضحياتهِ السخيّة التي بذلها من أَجل إقرار دين الله تعالى في الارض.
الآية الاولى قولهُ عزّ وجلّ )الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً( امّا الآية الثّانية فقولهُ تعالى )يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ(.
إِنّهُ يوم تبليغ الحقيقة الكُبرى لإكمالِ الدّين وإتمامِ النِّعمة والرِّضا بالإسلام كدينٍ سماويٍّ هو خاتم الأديان وآخِرها.
أَمّا الحقيقةُ الكُبرى فالغايةُ من تبليغِها تحقيقُ العدلِ الذي هو المحور من وراء فلسفةِ الخلق وبِعثة الأنبياء والرُّسُل، والى ذلك يُشير القرآن الكريم بقولهِ تعالى )إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ( [والذي فسَّرهُ الامام أَميرُ المؤمنين (ع) بقولهِ عندما سُئِلَ عَنْهُ {الْعَدْلُ الاِْنْصَافُ، وَالاِْحْسَانُ التَّفَضُّلُ(] وكذلك في قولهِ تعالى {وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ(وقولهُ عزّ وجلّ {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}.
امّا قولهُ تعالى {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} فيركِّز هدف فلسفة الحقيقة الكبرى بشكلٍ واضحٍ وجليٍّ لا لَبْسَ فِيهِ.
لقد شرّعَ الله تعالى الغديرَ من أجلِ العدلِ، ليتحقّق قولُ الله تعالى في مُحكم كتابهِ الكريم {وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا}.
لانّ العدلَ قيمةٌ عظيمةٌ لا تتحقّق في المجتمع الا بحاكمٍ عادلٍ، فَلَو التزمت الامّة بهذهِ الحقيقة وأخذتها بالحُسبان وبعَينِ الاعتبار لتجاوزت مشاكلها ولم ينزُ على سُلطانِها راعٍ كَالطَّلِيقِ بنِ الطّليقِ يزيد بن مُعاوية الذي يقول عنه المسعودي في [مروج الذَّهَب ومعادن الجوهر] [الجزء الثّالث ص ٦٧] تحت عنوان (فسُوق يزيد وعمّالهُ)؛
وَكَانَ يزيدٌ صاحبُ طرَبٍ وجوارحَ وكلابٍ وقرودٍ وفهودٍ ومنادمةٍ على الشّراب، وجلسَ ذاتَ يومٍ على شرابهِ وعن يمينهِ ابْنُ زيادٍ وذلكَ بعد قتلِ الحسين (ع) فأقبلَ على ساقيهِ فقال:
إسقِني شَربةً تُروِّي مُشاشـي
ثم مِـــلْ فآسقِ مثلها آبنِ زيادِ
صاحب السرِّ والأمانةِ عنــدي
ولتسـديدِ مغنَمي وجِــــــهادي
ثمَّ أمرَ المغنّين فغنّوا.
وغلبَ علي أصحابِ يَزيدٍ وعمّالهِ ما كان يفعلهُ مِن الفُسوقِ، وفي أيّامهِ ظهرَ الغناءُ بمكَّةَ والمدينة، واستُعملتِ الملاهي وأظهرَ النَّاسُ شِربَ الشَّرابِ.
وعلى نَفْسِ المنْهَجِ والمدرسةِ يواصلُ نظام القبيلة الفاسد الحاكم في الجزيرةِ العربيّةِ والمُغطّى بشريعةِ (الحزب الوهابي) مسيرتهُ، فبدلاً من ان يُظهر النّاس السُّكر بِالشَّرَاب أَظهروا السُّكر بفتاوى التّكفير التي يتعلّمها الصّغار والأطفال بالمدارس ومعاهد التّعليم الدّيني المنتشرة في كلّ مكانٍ في داخلِ البلادِ وخارجِها في الاتِّجاهات الأربعة، والتي غسَلت أدمغتهُم لتحوّلهم الى دوابّ تفجّر نفسها وسط الحُشودِ البريئةِ!.
ولهذا السّبب يُدافع فقهاء الحزب الوهابي وكبيرهُم أَعمى البصر والبصيرة تحديداً عن الطّاغية الارعن يزيد على الرّغمِ من كلّ ما يذكرهُ التّاريخ عَنْهُ! لأنَّ الطعنَ فِيهِ طعنٌ بشرعيّتهم! ولذلك فهم لا يُدافعونَ عَنْهُ بمقدارِ دفاعهِم عن أَنفُسِهم!.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here