موقف عبد الكريم قاسم من سكان الأكواخ في بغداد 1958 – 196

0
670 views
كنوز ميديا – متابعة
تقارير – لم يكتفِ عبد الكريم قاسم بإصدار التعليمات فقط وإنما، كان يفضل أن يقف على واقع الحال بشكل مباشر، ففي أحدى زياراته للقسم الجنوبي من مدينة الثورة، أشتكى أهل ذلك القسم من ضعف تدفق ماء إسالة بغداد، فأوعز إلى المسؤولين في تلك الإسالة بتقوية تدفق الماء إلى ما أسماهم بـ”إخواننا في الحق”. قلنا إن عبد الكريم قاسم، كان قد أصدر أمرا بأن يكون توزيع أراضي مدينة الثورة حصرا بأصحاب الصرائف،
وكان عبد الكريم قاسم عند وعده، وكلامه لن يتزحزح عنه مهما كانت الظروف وطبيعة العلاقات الاجتماعية التي كانت تربطه بأقرب الأقربين إليه، فقد طلبت منه بنت أمه وأبيه أمينه، التي كانت تسكن وعائلتها دارا مستأجرة وحالتها المادية ضعيفة لا تسمح لها بشراء دار لها، طلبت أن يخصص لها أرضاً، باعتباره من يملك أعلى سلطة في العراق آنذاك، فقام عبد الكريم قاسم باصطحابها إلى السدة الشرقية ليقول لها كلاما لا ينطق به إلا المخلص جداً لوطنه وشعبه : “أترين هذه الصرائف، هؤلاء أحق منك في الحصول على دور سكنية تليق بهم، وحتى أنتهي من توفير دور السكن لهؤلاء سيكون لك الحق في أن تحصلي على دار سكنية مثلهم “.
رأى عبد الكريم قاسم أن مناسبة عقد المهندسين العراقيين لمؤتمرهم الثالث الذي عقد بتاريخ 17 كانون الثاني 1961، فرصة عليه أن يستثمرها في دعوتهم لمساعدة إخوانهم أصحاب الصرائف، لا بأس أن نتركه يتحدث مع المهندسين عن همه الأول بهذه الكلمات الواضحة : ” ألا يعز عليكم أيها الإخوان، أن ترون أبناء الشعب من إخوانكم الفقراء والآخرين يسكنون بمثل هذه الصرائف المنتشرة هنا وهناك”. ثم راح يشحذ همم المهندسين العراقيين للمساهمة في إعداد خطته للترفيه عن أهل الصرائف إذ قال:” علينا إعداد العدة وإعداد الخطة، للترفيه عن هؤلاء، وتشجيعهم على ترك هذه الصرائف، والسكن بدور مريحة تؤمن لهم العيش هم وأطفالهم” .
خصص عبد الكريم قاسم جانباً معينا في خطابه الذي هنأ به الشعب العراقي بعيد الفطر المبارك الذي صادف 18 آذار1961 للحديث عن الثورة وأسبابها المهمة، معتبرا إهمال النظام الملكي لأصحاب الصرائف وظلمه الكبير لهم كان كافيا لقيام ثورة 14 تموز 1958وذلك عندما قال ما نصه: “عليكم أن تخبروا هؤلاء المشعوذين والدجالين، إن كانت لديهم هامة و كرامة، فليخرج كل منهم ويذهب فيما وراء السدة الشرقية في بغداد ويرى المآسي بأم عينه”. بعد ذلك يرجع سبب تحرك الثوار فأكد:” إننا جئنا لرفع مستوى هؤلاء، وإننا جئنا لرفع مستوى الفقراء المساكين المبعثرين”.
ثم طلب من كل مواطن إن صادف واحدا من أولئك الدساسين أو المغرضين أن يريه مكان الصرائف ما خلف السدة ومآسيهم ومرة أخرى ندعه يتكلم:” أريد من كل منكم إذا صادف أحد الدساسين وأحد المغرضين، أن يدله بالسير والاتجاه إلى السدة الشرقية، ليرى المآسي بأم عينه، ليرى الفقر المدقع، ليرى حالة أبناء الصرائف وكيف يعيشون”. وختم عبد الكريم قاسم خطابه بهذه الكلمات عالية المدلول والتي ذهبت كقانون في حياتنا الاجتماعية: “إن المخلص الوطني الغيور من يمد اليد إلى هؤلاء لإنقاذهم، من يساعد الدولة بأفكاره النيرة لإنقاذ هؤلاء ورفع مستواهم بمساكنهم” .
أثمرت جهود وزارة الأشغال والإسكان و” لجنة الترحيل وتوزيع الدور والأراضي” التي واصلت في عملها النهار بالليل على فرز 22 ألف قطعة سكنية في مدينه الثورة، فقد أعلن حسن رفعت وزير الأشغال والإسكان، أولا، أن عبد الكريم قاسم أشرف على كل الترتيبات اللازمة لتحسين حالة سكن أصحاب الصرائف الموجودة في أطراف العاصمة بغداد، بعد ذلك زف الوزير المذكور البشرى لأولئك المساكين، بأنه سيتم توزيع 22 ألف قطعة سكنية لأهل الصرائف، مساحة كل قطعة منها أقل قليلا من 150 م2، وهي من الأراضي الأميرية، ليتمكنوا من بناء دورٍ بسيطة لهم في مدينة الثورة. على أن يكون البناء على أساس النموذج الذي بنته الحكومة في مقدمة المدينة.
ثم أعلن وزير الأشغال والإسكان عن رغبة الزعيم في إدخال جميع مظاهر الحياة العصرية لمدينة الثورة، فسيكون للمدينة المذكورة حدائق وطرق معبدة ومدارس ومستوصفات وخط لمصلحة نقل الركاب لنقل أبناء هذه المدينة إلى بغداد، فضلا عن قرار الزعيم بإنشاء طريق تمتد من مدينة الثورة إلى ساحة الطيران في الباب الشرقي، مما يسهل عملية وصول سكان المدينة في أقصر وقت ممكن. كان عبد الكريم قاسم مصمما تصميما أكيدا على إزالة كل الصرائف في بغداد ومحو آثارها وإسكان أصحابها في دور تشتمل على جميع المرافق الصحية. لذلك فإنه أخذ يفاتح الجهات المختصة والمسؤولة بتخصيص ثلاث مقاطعات أخرى في بغداد لبناء مدن لأصحاب الصرائف في كل من الصليخ والكاظمية والدورة. على ضوء ذلك صرح وزير الأشغال والإسكان، بأن وزارته وجهازها الفني تجري مسوحات لأراضي تبلغ مساحتها 1500 دونم واقعة بالقرب من مدينة الكاظمية للتأكد من أنها صالحة للسكن أم لا.
من جانب آخر، قرر “مجلس التخطيط الاقتصادي” ، تخويل وزارة الأشغال والإسكان صلاحية صرف المبالغ اللازمة لإجراء عمليات المسح والتخطيط الضرورية لتهيئة 1150 دونما من القسم الجنوبي من منطقة إسكان أصحاب الصرائف شرق بغداد، وإعدادها للتوزيع على المواطنين من سكان الصرائف. كما خصصت “الخطة الاقتصادية المؤقتة” مليوني دينار، لإنشاء الخدمات الأساسية في مدينة الثورة، لتعبيد الطرق ومد شبكات الماء الصالح للشرب، ومجاري الأمطار والمياه الثقيلة والكهرباء، فضلا عن إنشاء خمس مجموعات من المدارس الأبتدائيه وست أسواق شعبية.
يلح علينا القول هنا: إن ظاهرة الترحيل القسري لأصحاب الصرائف في بغداد دون إيجاد مأوى لهم، لم تعد موجودة بعد نجاح ثورة 14 تموز 1958، ففي أغلب المخاطبات الرسمية التي كانت بين الوزارات التي تهتم بقضية أصحاب الصرائف، كانت عناوين الكتب المرسلة هي ترحيل و إسكان، وهذا لم يكن معهودا في العهد الملكي، لاسيما وفي أكثر الأحيان تلجأ السلطات الحكومية آنذاك إلى هدم أحياء كاملة من الصرائف في بغداد. وكما كانت أحياء الصرائف متغلغلة بشكل لافت للنظر في معظم ضواحي مدينة بغداد لدرجة أنها وجدت بالقرب من أهم المباني والمقار الحكومية لمجلس السيادة والعديد من الوزارات، والمؤلم حقا أنها أنشئت في بعض المناطق الخطرة كوقوعها تحت أسلاك وأبراج نقل الطاقة الكهربائية، فضلا عن وجودها في بعض الفضاءات التي خصصت لإقامة المشاريع الحيوية عليها، فأنه، أُعطي لأصحاب هذه الصرائف جميعهم الأولوية في تخصيص الأراضي السكنية لهم في مدينة الثورة، ثم ترحيلهم إليها. مما يستحق الذكر هنا،
أن ثلة من أصحاب الصرائف، بسبب عدم ثقتهم بإجراءات الترحيل، أو بسبب ارتباط بعضهم بمصالح شخصية مع بيئتهم، أو بسبب ضعف وعيهم الذي لم يسمح لهم، فهم معنى الانتقال والتغيير الكبير الذي ينتظرهم، آثروا البقاء فلم يملأوا استمارات توزيع الأراضي في مدينة الثورة، الأمر الذي استوجب توجيه دعوات لهم للحضور إلى مقر “لجنة الترحيل وتوزيع الدور و الأراضي” لملء استمارات الأراضي، وغالبا ما تكون هذه الدعوات مصحوبة بتوجيه الإنذار لهم. وهناك نوع آخر من سكان الصرائف فضلوا البقاء في أحيائهم واختاروا الحياة فيها، بسبب قرب محل سكانهم من مكان عملهم، مثل أولئك الذين سكنوا إلى جوار معامل الطابوق في مناطق الشماعية وشاعوره وأم جدر. غير أن الشرطة كانت ترحل هؤلاء من أماكنهم إلى الأراضي التي خصصت لهم بقوة القانون، وكان ذلك يتم في الغالب إما بموجب دعوى قضائية يرفعها أصحاب الأراضي الأصليين التي شيدت عليها الصرائف، أو لأجل إقامة مشروع عمراني في العاصمة. لعل شهادة إسماعيل العارف، تفيدنا في هذا المجال وهي أيضا توضح لنا الطريقة الحضارية التي يتعامل بها عبد الكريم قاسم مع سكان الصرائف، وذلك عندما ذكر أنه ذهب مع عبد الكريم قاسم ليلا، لإلقاء نظرة على أحوال الصرائف، وكثيرا،
ما كان الزعيم يقوم بهذا العمل، قبل أن ينقلوا إلى مدينة الثورة المجاورة لصرائفهم، ويتذوقوا لأول مرة في حياتهم طعم السكن اللائق بالإنسان وكانوا فرحين بما يتحقق لهؤلاء الناس من حياة جديدة مشرقة . لكن ما أن ترجلا من السيارة، وتجمع سكان الأكواخ حول عبد الكريم قاسم يقبلونه ويقبلون سيارته، حتى انبرى له شيخ كبير، طالبا منه، أن يأمر الجهات التي تنوي ترحيلهم إلى أمكانهم الجديدة، أن يدعهم فيها لأنها ديارهم التي تعودوا العيش فيها، ولايحبذون الانتقال منها. عندها قال عبد الكريم قاسم له: ” لقد هيئنا لكم دورا لائقة فيها الماء الصافي والكهرباء، إليس أفضل لكم أن تعيشوا فيها بكرامة ؟ أخرجوا غدا وقفوا على السدة الترابية مجردين من أثاثكم وسوف أبعث اليكم من يرتب أحوالكم “،
وأضاف العارف: إن الزعيم عبد الكريم ركب سيارته وهو متألم، لأن التعاسة المزرية التي عاشها هؤلاء البؤساء غطت أعينهم بغشاوة كثيفة، أفقدتهم القدرة على التمييز وقتلت فيهم التطلع إلى حياة أفضل. وعلينا أن نذكر هنا، أن الشرطة كانت أحيانا مضطرة وفي حالات قليلة تقوم باستدعاء بعض أصحاب الصرائف لتنظيم استمارات الانتقال إلى مدينة الثورة. كما أن البعض منهم لم ينتقل إلى مدينة الثورة بالرغم من استلامهم الدور أو القطع السكنية، لأنهم أثروا البقاء في صرائفهم، للعوز المادي الذي كانوا يعانونه، أو بسبب عدم ثقتهم بجدية الحكومة على تغيير واقعهم المرير وجعل حياتهم مرفهة.
ولما كان عبد الكريم قاسم يعتبر موضوع القضاء على الفقر معركته الشخصية، فأنه لم يشأ أن يمر انعقاد المؤتمر الثاني لاتحاد نقابات العمال دون أن يواصل متابعتها وذلك عندما حث أصحاب الصرائف على الانتقال إلى أراضيهم الجديدة وبنائها بالدور العامرة قائلا لهم: “إننا نطالبكم أيها الإخوان أن تشمروا عن سواعدكم، فقد منحنا القطع والأراضي إلى إخواننا للمباشرة ببنائها، وقد لاحظنا قسما من إخواننا أصحاب الصرائف ممن ملكت لهم الدور ولكنهم لازالوا يسكنون في الصرائف، أنني أطلب منهم الانتقال من تلكم الصرائف إلى تلكم الدور”. وبعد ذلك يعلن عن جهوده في إعداد القطع السكنية التي أصبحت جاهزة للبناء فقال: “أيها الإخوان لقد قسمنا عشرين ألف قطعة أصبحت جاهزة خلف السدة الشرقية،
وأوصل إليها الماء وأعدت إلى البناء، ولو ذهبتم إلى تلك المنطقة لرأيتم كثيرا من إخوانكم أصحاب الصرائف قد شمروا عن سواعدهم وأقيمت الدور العامرة بالطابوق والدور المرفهة”. اشتهر عبد الكريم قاسم باصطحابه لضيوفه في جولات ليلية بسيارته التي كان معظمها يستمر حتى طلوع الفجر، ينقلهم إلى مدينه الثورة ليطلعهم على ما حققه لسكان الصرائف في بغداد. قطع عبد الكريم قاسم عهدا لأصحاب الصرائف، بعدم تركهم وشأنهم والاكتفاء بتوزيع الأراضي السكنية عليهم، دون أي متابعة منه، فقد ورد في أحد خطبه أنه قال : ” سوف تكون بيوتا عامرة عما قريب، ولن يحل يوم 14 تموز حتى ترون 14 شارعا تمتد من شرقي بغداد إلى غربها، تفتح المناطق لأهل الصرائف للأحياء القديمة تنطلق فتقسمها إلى قواطع، وعند ذاك يسهل التنقل فيما بينهم ويسهل نقل الماء الصافي ويسهل وصول الكهرباء إليهم” . .
وقبل الموعد الذي التزم به عبد الكريم قاسم بأيام، أعلن حسن رفعت وزير الأشغال والإسكان خبر إيصال الماء والكهرباء للقطع المفروزة في مدينه الثورة، وأن تعبيد الشوارع جارٍ بوتيرة أسرع مما كان مقرراً، فضلا عن إعلانه بدء وزارته ببناء مدرستين وسوق وحمام شعبي وجامع، ناهيك عن الأبنية العامة الأخرى التي هي قيد الإنشاء والدراسة. حرص عبد الكريم قاسم على متابعة عملية انتقال سكان الصرائف وتذليل كل الصعوبات التي تقف أمام عملية الانتقال هذه، فكان في زيارته المتكررة للمدينة الناشئة يسمع بكل سرور لمطالب سكانها، وأحيانا يستلم عرائض مكتوبة ليقوم بدراستها وتنفيذ ما يمكن تنفيذه عن طريق الدوائر المختلفة، كل ذلك لتكون المدينة الجديدة مركز جذب لسكان الصرائف في بغداد.
لم يكن ذلك كافيا برأي عبد الكريم قاسم فقام في 13 آب 1961 بتشكيل لجنة وزارية مهمتها تسريع عملية تقديم الخدمات لسكان مدينة الثورة، تكونت هذه اللجنة من حسن رفعت وزير الإسكان والأشغال وباقر الدجيلي وزير البلديات ومتصرف (محافظ ) بغداد. ترأس عبد الكريم قاسم اللجنة وتدارست كل التقارير الفنية وغيرها الخاصة بالنهوض بمدينه الثورة، ثم أصطحب عبد الكريم قاسم اللجنة إلى المدينة، لتتطلع على واقع المدينة عن كثب والمشروعات الجاري تنفيذها بها، والمشاريع المطلوب بناؤها فيها.
ووعد عبد الكريم قاسم الذين لم يحصلوا على قطع سكنية بأن لجنة ستأتي لتسجيل أسماءهم ليمنحوا قطع الأراضي السكنية، ووعدهم بإيصال الماء والكهرباء لهم بأقصى سرعة ممكنة، وأمر بتوفير الماء الصالح للشرب بشكل مؤقت عن طريق السيارات الحوضية. كما طلب عبد الكريم قاسم من الجهات المسؤولة عن مد شبكات أنابيب الماء الصالح للشرب أن تعمل جاهدة من أجل إنجازه قبل الفترة المقررة له. وأثناء عودته إلى مقر عمله في وزارة الدفاع حث عبد الكريم قاسم أعضاء اللجنة موضوع البحث ببذل قصارى جهودهم كلاً في مجاله من أجل إكمال مشروع إسكان الصرائف في مدينة الثورة وتوفير أسباب الراحة لهم. معربا عن استعداده شخصيا لمعاونتهم، وطلب منهم أن يراقبوا الأعمال التي جرت لإكمال المشروع بأنفسهم مذكرا إياهم،
أن الخدمة الحقيقية هي خدمة هؤلاء الفقراء من أبناء الشعب العراقي والعناية بهم. قامت الدوائر الحكومية المختصة في اليوم التالي من زيارة عبد الكريم قاسم إلى مدينة الثورة بحملة لتنفيذ التوجيهات والتعليمات التي أصدرها رئيس الوزراء فيما يتعلق بمشروع إسكان أصحاب الصرائف وتهيئة سبل الراحة لهم، لاسيما إيصال الماء والكهرباء إلى المنطقة التي سيشيدون الدور عليها في مدينة الثورة، وعليه باشرت الجهات المختصة في مصلحة إسالة الماء لمنطقة بغداد بمد أنابيب المياه بطول أكثر من سبعة كيلو متر وبقطر 15 عقدة. أعلن فائق أحمد مدير عام مصلحة إسالة الماء لمنطقة بغداد، أن العمل سينجز بأقل من عشرة أيام.
أما بالنسبة للكهرباء فقد اتخذت الخطوات اللازمة في مصلحة كهرباء بغداد لمد الخطوط الكهربائية وإيصال القوة الكهربائية إلى مدينه الثورة خلال عشرة أيام، وفيما يخص الشوارع والطرقات في المدينة المذكورة، فقد قامت أمانة العاصمة بحملة لتعديلها وتنظيفها، كما أقدمت الأمانة على تخصيص سيارة خاصة تقوم برش الشوارع العامة الترابية في مدينة الثورة بمادة النفط، ليسهل على المارة السير فيها. شجعت هذه الإجراءات المترددين من سكان الصرائف على القبول بالانتقال إلى مدينة الثورة، وتسهيلا لذلك ترأس عبد الكريم قاسم جلسة طارئة لمجلس التخطيط الاقتصادي، أتخذ فيها قرارين بشأن مشروع إسكان أصحاب الصرائف، فقرر تخصيص مبلغ 8 آلاف دينار أضافه إلى مبلغ ألفي دينار مخصصة سابقا، وذلك لغرض تهيئة ومسح وتخطيط وإفراز القطع المراد توزيعها على الفقراء من أصحاب الصرائف، وخول المجلس وزارة الأشغال والإسكان الصلاحيات الكاملة لصرف الأموال. ثم قرر المجلس تخصيص مبلغ 31 ألف دينار لإنشاء محطة تصفية الماء في مدينة الثورة شرق بغداد، وتخويل وزارة الأشغال والإسكان القيام بهذا العمل، على أن تكون طاقة المحطة كافية لسد حاجات المدينة المذكورة. تنفيذاً لذلك انخرطت أكثر من جهة حكومية في عمل متواصل.
عبرت فيه تلك الجهات عن إنجاز أعمالها بأسرع وقت من أجل إكمال عمليات المسح والفرز والتقطيع والتوزيع بفترة قياسية. ولكي تشمل الأحياء الجديدة من مدينة الثورة الجهود الحكومية استنهضت “لجنة الترحيل وتوزيع الدور والأراضي” همم وزارتي الصناعة والبلديات ورجتهما بالإيعاز إلى الجهات المختصة لغرض الإسراع بمد أنابيب الماء وتأسيس الكهرباء لقطع الأراضي الأخرى التي تم توزيعها في مدينه الثورة مؤخرا، لأن التأخير في ذلك سيؤدي إلى عدم تشجيع المواطنين في سكن هذه المدينة، التي تعتبر من المنجزات الهامة لثورة 14 تموز،
والتي هي موضع الاهتمام الكلي لعبد الكريم قاسم. ما يستحق الذكر هنا، أن وزارة الأشغال والإسكان حاولت أن تقضي عمليا على عزلة أصحاب الصرائف وتجعلهم في تماسٍ مباشرٍ ومعايشة يومية للحياة الحضرية لمدينة بغداد، بأن وزعت حوالي 200 دارا من مجموع 911 داراً التي أنجزتها حكومة الثورة، على بعض فئات الموظفين في أجهزة الدولة. بعد ذلك كله، بدأت الحياة تدبُ في مدينة الثورة موضوع البحث رويدا رويدا، فقد أعلنت مصلحة إسالة الماء لمنطقة بغداد، بناء على أمر الزعيم عبد الكريم قاسم رئيس الوزراء، أن المرحلة الثانية التي ستبدأ بها المصلحة فور تسليم القطع المفروزة لأصحابها، هي مد شبكة داخلية لأنابيب المياه داخل المدينة لتزويد الدور التي ستشيد على القطع الموزعة بالمياه النقية. فضلا عن ذلك أخذت أمانة العاصمة تقدم الخدمات البلدية إلى مدينة الثورة، مثل تسوية الشوارع الداخلية للقطع المخصصة للتوزيع، ورشها بالنفط بصورة دورية تمهيدا لتبليطها تدريجيا في المستقبل.
من جانب آخر وافق” مجلس التخطيط الاقتصادي” على إحالة تبليط شارعٍ موازٍ لمدينة الثورة من جهتها الجنوبية بطول كيلو مترين، وبعرض 51 مترا من شأنه المساهمة في إعمار المدينة المذكورة وتسهيل ارتباطها بمناطق بغداد الأخرى. تطرق عبد الكريم قاسم رئيس الوزراء أثناء زيارة له لديوان وزارة التربية والتعليم في 7 أيلول 1961، إلى الخطط والجهود التي وضعت لتطوير الوضع الاجتماعي العام في العراق، ضاربا مثالا حيا لذلك، وهم أصحاب الصرائف والأكواخ في بغداد، وكيفية نقلهم من “الصريفة” البالية إلى دار صحية حديثة تليق بالإنسان المحترم في القرن العشرين، وشرح قاسم الجهود الحكومية التي نقلت ابن الشعب من الكوخ إلى الدار الحديثة خلال أشهر معدودات. رجا عبد الكريم قاسم من سكان الصرائف أن يدركوا مدلولات وأبعاد الانتقال من الصريفة إلى الدار الحديثة،
وأن ينقلوا ذلك للأجيال القادمة باعتبار ذلك قضية جبارة. من المفيد أن نتركه يتحدث إذ قال: “كثيرا ما التقي بأصحاب الصرائف والأكواخ أناء الليل وأطراف النهار، ويسألوني يا زعيم ما هي رغبتك، وماذا تريد منا أن نفعل، فنحن جنود الجمهورية، فأجيبهم بأن أحرقوا الأكواخ والصرائف، عندما تنتقلون إلى بيوتكم الجديدة العامرة كدليل على تخلصكم من عهود التعسف وظلم المجتمع، وقصوا على صغاركم وأطفالكم عندما يشبون ويكبرون، هذه القصة الجبارة، قصة التحول السريع المدهش من الصريفة إلى الدار الصحية الجديدة، ومن ظلام الأكواخ وليلها البهيم، إلى نور العمران والثقافة والرفاه” . أكد عبد الكريم قاسم في الزيارة نفسها، أن القضاء على مظاهر الصرائف والأكواخ في بغداد، يؤلف جانبا ضخما من الإصلاح الاجتماعي والثورة الاجتماعية المستمرة برأيه في العراق، فقد ذكر أنه قام في احتفالات الرابع عشر من تموز سنة 1961، بهدم صريفة بيده إيذانا منه باستمرار الثورة البناءة.
ختم حديثه بهذه الكلمات الخالدات التي لم تخرج إلاّ من لسان صادقٍ وقلبٍ مفعم بالحب للفقراء إذ أكد:” أن الصريفة ستكون في المستقبل القريب أثر بعد عين، وأن القضاء على الصريفة، والأخذ بيد الفقراء والمحتاجين ونصرتهم بالحق، هي الخطوط الاساسية للعدالة الاجتماعية في جمهوريتنا”. اعتبر عبد الكريم قاسم في خطاب آخر له أن بقاء أحياء الصرائف في العراق سببا أساسيا لابتعاد سكانها عن الاهتمام بشؤون الوطن، مما يعطي فرصة للمتربصين بالوطن وفي المقدمة منهم الاستعمار الغربي. لا بأس أن ندع عبد الكريم قاسم يوضح ذلك عندما قال: “إنني قد وجدت بأن الطريق الواضح لتحطيم الاستعمار هو بإنقاذ أهل الصرائف وأمثالهم وإخواننا الآخرين من السكنى في هذه الصرائف، فمتى ما نقلنا مستواهم إلى مستوى عادل لائق بهم فلن يتمكن الاستعمار أن يتغلغل بين صفوفهم، وخاصة أننا أكثرنا ونكثر من المدارس والمستشفيات فنحارب الفقر والمرض والجهل وهذه هي الطريقة الواضحة لتحطيم الاستعمار” .

 

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here