كنوز ميديا / متابعة – يسأل جنكيز تشاندار «لماذا يثق الاميركيون بحسن روحاني اكثر مما يثقون برجب طيب اردوغان»؟.

استاذ التاريخ الاميركي جيمس بلاكستون يقول « للوهلة الاولى، تشعر ان اردوغان يستضيف في داخله جثة احد السلاطين. للوهلة الثانية ترى فيه الديكتاتور الذي يتعثر بظله»، ليضيف انهم في البيت الابيض يدركون كم انه يمقت باراك اوباما لانه لم يفرش امامه السجادة الحمراء للوصول على حصانه، وهو المريض بالتاريخ، الى دمشق.

يعرفون في واشنطن ايضا انه استدعى الدرع الصاروخية الى بلاده لتكريسه المفوض السامي الاميركي في المنطقة. ارتكب خطأ فادحاً عندما حاول ان يمشي على خط مزدوج ويظهر بمظهر من سيكون قائد الحملة ضد اسرائيل ، مع انه فعل كل هذا ليس لخلفيات ايديولوجية وانما لخلفيات استراتيجية، وهو الذي سعى، عبر قنوات معينة، الى تجاوز ذلك الخطأ بمحاولة التوافق مع بنيامين نتنياهو لاقامة نوع من الكوندومينيوم الخفي الذي يتحكم بخريطة المنطقة من البحر الاحمر وحتى بحر قزوين…

بالدرجة الاولى، الاسرائيليون توجسوا من طموحاته العثمانية، ورفضوا النيو عثمانية التي ابتدعها وزير خارجيته احمد داود اوغلو، فيما راح يراهن، وبلهجة الصدر الاعظم، على زوال النظام في سوريا. كان يتوقع ذلك بالايام ثم بالساعات ثم بالثواني. ولا ريب ان ثلاث سنوات كافية لكي يكتشف انه لم يعد من مكان للخيول العثمانية في المنطقة، بقي الصدر الاعظم وراح يتعامل مع مصر، بعراقتها الهائلة، كما لو انها احدى الدول التي اخترعها الخيال الانكليزي او الخيال الفرنسي..

تشاندار نفسه يعلّق ساخراً بعد كل ذلك الدوران حول المريخ ها ان القمر التركي يستقر في طهران». عندما زارها في وقت سابق كانت لهجته مختلفة. على الايرانيين الذين يحتسبون اي خطوة بمنتهى الدقة، ان يدركوا ان رجلهم في دمشق» قد انتهى، وان عليهم ان يستدركوا دون ان يسمح لهم بالالتحاق بالمحور الآخر، بأن يعلنوا انهم اخطأوا وما عليهم سوى الاستسلام، او البحث عن زاوية لهم تحت عباءة اردوغان.

الآن، تغيّر المشهد كلياً. الأميركيون الذين طالما اعتمدوا عليه لاجتثاث النظام في سوريا، وكانت تقديراته مضحكة فعلا، ومزرية فعلا، يتهمونه الآن بأنه ضللهم وبأنه كان يعمل لحسابه الخاص، وبالتنسيق مع جهات معينة، من خلال تقديم الخدمات اللوجيستية والعملانية لتنظيم «الدولة الاسلامية في العراق و الشام»(داعش)،و لـ«جبهة النصرة» التي تعكس بصورة مباشرة استراتيجية ايمن الظواهري في اقامة دولة الخلافة في دمشق بعدما فقد السيطرة على الكثير من خيوط التنظيم الذي بات ثابتا ألا قيادة مركزية له و انه يتناسل فوضوياً في سائر الاقطار العربية.

وحين كان اردوغان يلتقي آية الله علي خامنئي، كان ثمة خبر صحافي حول اغارة القاذفات التركية على مواقع لـ«داعش». الرسالة كانت واضحة، كذلك الانكفاء الذي لا يتوقع احد ان يكون سريعا و صاخبا، لا بل ان الزائر التركي قال كلاما حول الدور الايراني فاجأ حتى خامينيئي الذي اوحى كلامه بأن انقلابا قد حدث في العلاقات بين طهران وانقرة لا بد ان ينعكس على المشهد السوري، ولكن بايقاع تدريجي بعدما بدا ان اردوغان غرق داخليا وغرق خارجيا ايضا..

بطبيعة الحال، هناك من سأل ما اذا كان الرجل، وبكل تلك « الوداعة» التي ابداها في طهران يبغي السعي لاقامة حلف تركي-ايراني في وجه الحلف المصري-السعودي. الايرانيون اكثر حنكة واكثر حصافة من ان يكون هذا هدفهم، فالرئيس روحاني مد يده الى السعوديين الذين مازالوا يصرون على ان اي تحوّل في العلاقات ينبغي ان يمر في سوريا و ربما في العراق و في اليمن. ان لم يكن في لبنان ايضا..

ثمة ملفات كثيرة وشائكة. لكن اي تفاهم بين طهران و انقرة لا بد ان تكون له تداعياته السورية و الاقليمية. قيل ان السياسة التركية التي حققت اخفاقات «فذة» على كل المستويات التقطت تلك اللحظة التي تتجه فيها العلاقات الاميركية-الايرانية ربما الى توافق متعدد الابعاد وبعيد المدى…

لا داعي لاستعادة ما حدث منذ اللحظة التي اندلعت فيها الازمة في سوريا، اذ ان اردوغان لم يلتفت البتة الى الاشارات الروسية التي كانت شفافة للغاية، و لم تكن تعنيه ايران في حال من الاحوال لا بل انه طلب من واشنطن ان تقيم انشاءات الدرع الصاروخية في بلاده امتداداً للمواجهة الاميركية، وحتى الاسرائيلية، معها.

الرجل تدخل في كل جوانب الازمة ودفع اصبعه في وجه صديقه(او شقيقه) السابق بشار الاسد، و حدد مواعيد للرحيل تحت طائلة القصاص والاقتصاص، فيما كان يعد جيشه لساعة الانطلاق باتجاه دمشق، مقتفياً اثر السلطان سليم الاول، وكان يفترض به ان يدرك ماذا تعني سوريا بالنسبة الى الصراع الدولي كما الى الصراع الاقليمي، ويحول دون شلالات الدم التي لا تزال على تدفقها حتى الآن.

خامينيئي تحدث عن علاقات لم تشهدها قرون سابقة. لعله القى نظرة على كل ذلك التاريخ المثقل بالآلام و بالصراعات التي بدأت مع مطلع القرن السادس عشر حيث كانت الامبراطورية الصفوية وجهاً لوجه مع السلطنة العثمانية. حتما كان ينظر الى قرون في الماضي ،وهو ينظر الى قرون في المستقبل، فعندما تأخذ العلاقات بين البلدين منحى خلاقا لا بد ان تكون لذلك مفاعيله المدوية في المنطقة، وان كانت هناك جهات عربية قد باشرت الحملة على اردوغان بمجرد ان وطأت قدماه ارض طهران.

الرجل تراقص كثيرا، حينا بثياب السلطان،و حينا بثياب الديكتاتور الذي يستعمل المصطلحات نفسها الشائعة في الادبيات العربية البائسة. قيل له في طهران، وهذه معلومات مؤكدة، «كفاك انتحاراً… اذهب الى دمشق. صافح بشار الاسد، وابحثا في الحل. هو يعطيك رأيه في الحل في تركيا و انت تعطيه رأيك في الحل في سوريا».

اردوغان قال في طهران «خلال هذه الساعات تعلمت الكثير هنا».ولكن هل من الممكن ان يتقيأ جثة السلطان الذي في داخله؟

1 تعليقك

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here