دخلت الأزمة العراقيّة مؤخّراً أطوارا جديدة لافتة كان آخرها اقتحام الآلاف من مؤيدي الزعيم الشيعي مقتدى الصدر المنطقة الخضراء المحصّنة داخل بغداد ودخولهم مجلس النوّاب والذي تصادى مع دعوة الصدر إلى «ثورة كبرى» بعد فشل البرلمان في استكمال تشكيل الحكومة الذي كان من المفترض برئيس الوزراء حيدر العبادي تقديمه يوم السبت الماضي.
إحدى المفارقات الكبرى للحالة العراقية أن التمرّد الشعبيّ خارج البرلمان يحاول فرض رأي الشارع على النظام السياسي العراقي المؤلف، نظريّاً، من الرئاسات الثلاث للجمهورية والحكومة والبرلمان، وكان حتى يوم السبت الماضي، يلعب دوراً ضاغطاً لتمكين رئيس الوزراء حيدر العبادي من فرض تشكيلة من الوزراء التكنوقراط تنجو من نفوذ الكتل السياسية.
أما النوّاب المعتصمون في البرلمان فكانوا هم، لا النوّاب الآخرين من قاموا بمهاجمة رئيس الوزراء بقوارير المياه وعلب المحارم الورقية وأفشلوا، بالتالي، جلسة إقرار التعديل الوزاري الذي كانت تصريحات الصدر المتكرّرة تؤكد دعمه.
بدت النقلة الأخيرة وكأنها انقلاب على النظام السياسي العراقيّ الحالي لأنها، أولاً، نجحت في كسر الطوق الأمني للمنطقة الخضراء، وأعطت بذلك إنذاراً خطيراً للساسة العراقيين في أن أسوارهم التي احتموا خلفها من الجمهور العام فقدت صلاحيتها، وثانياً، لكونها وضعت النظام السياسي على المحكّ لأن القوى السياسية الممثلة للأحزاب في البرلمان صارت تحت الضغط الشعبيّ المباشر، وثالثاً، توجيهها أصابع الاتهام لإدارة اللعبة السياسية العراقية من إيران، وذلك من خلال الشعارات التي رفعت ضد طهران ورجلها القويّ قاسم سليماني.
لكن الحقيقة أن اندفاعة جماهير الصدر إلى المنطقة الخضراء والبرلمان واعتصام النواب وتمردهم والفوضى التي تعيشها بغداد (رغم ما ذكرناه آنفاً) هي أقل بكثير من انقلاب، ولا يمكن أن تشكّل خروجاً حقيقياً على النظام السياسي العراقي، وشعاراتها ضد الفساد وإيران، وطلباتها لتشكيل حكومة تكنوقراط خارجة عن المحاصصة السياسية، وهجومها على الرئاسات الثلاث، تدخل كلّها في باب رفع السقف السياسي لمطالبات الصدر وجعله الرقم الأصعب في المعادلة العراقية.
يتمتّع الصدر بميّزتين كبيرتين: الأولى هي امتيازه بثقل رمزيّ كبير، والثانية هي تناقضاته السياسية وعثراته.
وسبب تمتعه بثقل رمزيّ لا يتوفّر لأيّ من أقرانه، أنه جمع في زعامته خطّ النضال السياسيّ الشيعيّ ضد نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، من خلال قرابته بالمرجع الشهير محمد باقر الصدر الذي أعدمه نظام صدام مع شقيقته نور الهدى عام 1980، كما أنه كان الزعيم الشيعيّ الأكبر الذي واجه الاحتلال الأمريكي ما أدى إلى مقتل ما يقارب الألف من أنصاره.
ومقابل الوضعيّة المذكورة التي لا ينافس الصدر عليها أحد من السياسيين الشيعة الآخرين فإن حركته العسكرية «جيش المهدي» اتهمت بعدد من الأفعال الإجراميّة الطائفيّة المروّعة، وإلى ذلك هناك التهمة الشهيرة الموجّهة إلى أتباعه بقتل نجل المرجع الشيعي السابق أبو القاسم الخوئي عام 2003 وذلك بعد يوم واحد من سقوط بغداد، وقد صدر بعدها أمر قضائي عراقي شهير باعتقال الصدر لكنه لم ينفذ. ويضاف إلى القضيتين الآنفتين القول إن المكان الذي احتمى فيه الصدر حين أصبح رأسه مطلوباً من الأمريكيين كان قمّ الإيرانية التي قضى فيها أربع سنوات مختبئاً.
جُماع القول إن طموح الصدر يتجاوز وضعيّته كزعيم شيعيّ ولكنّ تاريخه، الذي يرفعه كثيراً عن أقرانه ممن تلوّثوا بخدمة الاحتلال الأمريكي، أو بالتبعيّة المباشرة لإيران، يخفض أيضاً من وزنه حين تضاف الحوادث الأخرى التي ترتبط باسمه أو بحركته العسكرية.
انتزع الصدر مكانة شعبيّة واسعة ضمن الجمهور الشيعيّ، ما يسمح له بمناورات كبرى لا تصل إلى حدّ الانقلاب على النظام، ولكنّها مكّنته عبر الأيام من إتقان اللعب في المناطق الخطرة، فهو الوحيد الذي يستطيع أن يواجه المرجعيّة الشيعية للسيستاني، وجماهيره قادرة على مناكفة إيران والنظام السياسي العراقي، لكنّه، للأسف، رغم مناشداته للجمهور العراقيّ العامّ، بمن فيهم السنّة والأكراد، لا يستطيع أن يصبح زعيماً فوق ـ طائفيّ، وليس مؤهلاً، بالتالي، لإنجاز «الثورة الكبرى» التي طالب جمهوره القيام بها.

المصدر .. القدس العربي

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here