 عبدالحسين الهنين

عادت الحكومة العراقية لتتصرف كلاعب القمار وهو في الرمق الأخير من اللعب، فلم يبق لديه سوى بيع أثاث بيته وسيارته ليستمر في اللعب لعله يحظى بفرصة حظ أخيرة تعيد له بعض ما فقده في سلسلة خسائره الطويلة والمتكررة، فبينما تخلت الحكومة عن جميع الافكار الاصلاحية الجوهرية راحت تعيد العراق الى خانة الدول المحمّلة بكتلة هائلة من الديون اضافة الى فوائدها المستحقة.

في وقت سابق بعدما تم التأكد من ان ديون العراق التي ورثها من النظام السابق  هي بحدود 140 مليار دولار من خلال شركة محاسبة دولية كشفت ادعاءات كاذبة كثيرة من قبل اشخاص ودول وشركات  وصلت الى ما يقارب 600 مليار دولار (ليست جميع الديون ضمن دول نادي باريس)، اقدم العراق يومذاك على اجراء مفاوضات مهمة مع دول نادي باريس  من خلال فريق  رأسه عادل عبدالمهدي وتكوّن من محافظ البنك المركزي د. سنان الشبيبي ، ونائبه د. مظهر محمد صالح ، والمحاسب القانوني عزيز جعفر، باسناد  من رئيس الوزراء آنذاك اياد علاوي وبمساعدة دولية كانت في مقدمتها الولايات المتحدة ممثلة بجيمس بيكر، حيث تمكن الفريق المالي العراقي من اقناع نادي باريس بتخفيض 80% من ديون العراق لتصل الى 28  مليار دولار من خلال مفاوضات سياسية وفنية شاقة ومخلصة للعراق . اما الآن  وحسب البنك المركزي العراقي فان ديون العراق  الخارجية بلغت  45 مليار دولار  لغاية 2010  والدين الحكومي المحلي  4.6 مليار دولار، ولا نعرف حجم هذه الديون الآن لعدم وجود الشفافية في ادارة اموال العراق، ولا توجد جهة مستقلة يمكن التثبت من خلالها على مصداقية أو دقة ما يعلنه البنك المركزي او الحكومة العراقية.
الحكومة العراقية “المنتخبة” وقضاؤها “المستقل جدا” كافؤوا ذلك الفريق باقالة احدهم، هو الشبيبي، وهو في مهمة رسمية خارج البلاد وتوجيه اتهامات جائرة له، فيما أودع  مظهر محمد صالح مع عدد من افضل موظفات وموظفي البنك في السجن، وتم تشويه سمعه رئيس الفريق (عادل عبدالمهدي) بطريقة متدنية المستوى وبلا مروءة.
بعد تصاعد معدلات اسعار النفط اصبحت الفرصة سانحة لكل أميّ لأن يكون في الواجهة، فعملية هدر الاموال وسرقتها لا تحتاج الى علم او فن او مهارة، فكان الفشل الكبير في ادارة ثروة العراق والفساد الكبير للحكومات المتعاقبة منذ ذلك الوقت.  
الحكومة الحالية اتجهت للاقتراض من الخارج، وكأنه انجاز كبير، لغرض واحد فقط هو توفير رواتب الموظفين وليس لأهداف تنموية تتعلق بالقطاعات الانتاجية كالزراعة او الصناعة.  والواقع ان سياسة القروض الخارجية تمثل خطرًا حقيقيا على الاقتصاد العراقي  وسوف تظهر تداعياته في الخمس سنوات المقبلة كأبعد تقدير، لأن ما تقوم به الحكومة من اقتراض ليس لدوافع تنموية بل  لسد عجز الموازنة التي تشكل تعويضات الموظفين العنصر الرئيس فيها . الاقتراض من الخارج لن يحل المشاكل الاقتصادية كما يعتقد خبراء الحكومة،  بل هو ملاذ العاجزين في ظل الأزمة الاقتصادية الراهنة،  ولا ينبغي اعتماده كأحد الحلول الجوهرية ، فهو  يزيد من أزمة البلاد الاقتصادية في المدى المتوسط والطويل، وكان الاجدر  بالحكومة الاعتماد على الموارد الذاتية وترشيد الانفاق بشكل حقيقي ومصارحة الشعب وخصوصا الموظفين منهم بأزمتنا الى جانب اعتماد سياسة نقدية بفلسفة جديدة  تبتعد عن العقليات التي تختطف ادارة البنك المركزي منذ زمن طويل، والانتقال الى سياسة مرنة وشجاعة تعوّض انخفاض احتياطي النقد الاجنبي الى ما دون 55 مليار دولار بعدما وصل الى اكثر من 80 مليار دولار في فترة سابقة مسجلا رقما قياسيا جديدا.  ولا نفشي سرا إذ نقول  اننا أمام كارثة حقيقية حيث ينتظر العارفون في الشأن الاقتصادي الدولي  انكشاف الغطاء النقدي بالدولار الأميركي للعملة العراقية في المدى القريب، ويمكن وصف الحالة بأزمة عملة خطيرة مرتقبة ( Looming Dollar Shortage)، بعدما انحدر احتياطي العملة الصعبة نتيجة سببين رئيسين :-
الاول:- السياسة النقدية المتخلفة للبنك المركزي والاصرار عليها، أضافة للفساد في مزاد العملة .
الثاني/ مخالفة قانون البنك المركزي رقم ( 56) لسنة 2004 حيث سحبت الحكومة العراقية اموالا كبيرة لتغطي نفقاتها التشغيلية للأشهر الماضية بتواطؤ من ادارة البنك وبطريقة ملتوية حيث اتجهت الحكومة لإصدار سندات خزينة بمقدار 12 مليار دولار لتغطية ديون العراق المستحقة للشركات النفطية العاملة ضمن جولات التراخيص ولتسديد جزء من عجز الموازنة. ولعدم  ثقة الجمهور بالوضع العام  فان تسديد هذه السندات سيكون من خلال احتياطي العملة في البنك المركزي .
ان نصف المشكلة يقع في ساحة البنك المركزي (اختارت  بريطانيا العظمى رجلاً غير بريطاني، هو الكندي  Mark Carney ، لتجعله محافظا لبنكها المركزي لأهمية هذا الموقع) ، ومن المهم جدا ان نناقش هذه السياسة بوضوح وان لا تكون حكراً لمجموعة تدعي اعلميتها بهذا القطاع  بينما الواقع يؤشر عكس ذلك ويؤكد ضياع ثروة هائلة بسبب هذه السياسة.
 تعتقد الطبقة السياسية  واغلبية الشعب ان قيمة عالية للدينار تمثل رمزا من رموز السيادة العراقية، وهذا هراء في عالم المال، بينما الواقع يقول ان عملتنا الوطنية هي ( الدولار ) لأنها العملة التي نبيع من خلالها سلعتنا الوحيدة (النفط )  ولذلك كان الواجب ان نحافظ على دينار ثابت لكن قليل القيمة نسبيا امام الدولار . ومن الغريب جدا ان نلاحظ الدولة العراقية تصدر سلعة واحدة هي النفط وتستلم ايراداتها بالدولار الاميركي وتجاهد من اجل تقليل قيمته امام الدينار العراقي بينما يسجل الدولار وضعا مستقرا نسبيا في جميع الاسواق المالية العالمية  بفضل قوة وحيوية الاقتصاد الأميركي الذي يبقى قائدا ومحركا للاقتصاد العالمي لخمسين سنة قادمة على الاقل. وعلى العكس من ذلك نرى الدولار الاميركي  يسجل انخفاضا كبيرا في مزاد البنك المركزي العراقي  ضمن سياسة موجهة تخالف المنطق والعقل وتساهم باستنزاف ثروة الشعب العراقي بشكل يومي،  فمثلا اغلب دول العالم المنتجة  تكافح من اجل عملة ثابتة منخفضة امام الدولار  لكي تزيد من فرص نمو الصادرات وتقلل من نسبة الواردات اليها، فمثلا الصين تكافح من اجل تثبيت(يوان) منخفض امام الدولار الأميركي وهذا جزء من نجاحات الصين التي تخطت اليابان عالميا لتصبح الاقتصاد الثاني بعد اقتصاد الولايات المتحدة. وينطبق الامر على اليابان التي تحاول جاهدة لإعادة التوازن المحفز لاقتصادها بأن تصل الى 120 ين مقابل دولار اميركي واحد لتديم معدلا معقولا من النمو الاقتصادي يضعها دون قلق في قائمة الثلاثة الأوائل في العالم.
ويمكن اختصار اصلاح السياسة النقدية العراقية  بنقطتين جوهرتين:-
نسبة الفائدة: ويجب ان تكون بمعدلات منخفضة لتشكل عاملا مهما لتحفيز الاقتصاد حيث يبدو ان بنكنا المركزي بعيد جدا عما يحدث في العالم، فمثلا قرر البنك المركزي الياباني نسبة الفائدة السلبية ( Negative interest rate) قبل شهرين تقريبا، وبرر ذلك بانه يسعى الى تحفيز الاقتصاد الياباني. ألا يشكل ذلك وخزة علمية لجماعتنا النائمين والخائفين من أية خطوة شجاعة تحفز الاقتصاد وتنقلنا من دولة مركزية  متخلفة الى اقتصاد ديناميكي منتج ؟؟ .
القيمة الدافعة للتنمية : مع ان البنك المركزي يصر على سياسته المتشددة خوفا او تردداً، لكنني اعتقد ان تحديد قيمة قليلة نسبيا للدينار امام الدولار من شأنه أن يوفر حجما معقولا من ايرادات النفط لصالح التنمية، ويمكن الرجوع الى ( دينار بريمر ) الذي كان بحدود 1500 دينار لكل دولار.
من ذلك كله نعتقد ان قيمة كهذه للدينار ستكون دافعه للتنمية مع معدل فائدة منخفض محفز للإقراض من اجل التنمية  بشرط اصلاح النظام المصرفي العراقي ليتحول الى اهم وظائفه وهي الاقراض لمشاريع التنمية الحقيقية، واجراء كهذا سوف يقلل من ازمتنا بمعدل يزيد عن 50%، وتبقى ال 50% المتبقية ضمن واجبات السياسة المالية التي تمتلك الكثير من الحلول ليست من اوليات مقالتنا هذه الخوض بها. ولمن يعتقد ان قيمة الدينار تشكل عنصرا من عناصر السيادة اقول ان الاقتراض من الخارج يشكل ارتهاناً للدولة ومستقبل اجيالها وهو اكبر انتهاك لمفهوم السيادة لأنه يجعل الدولة تحت ارادة وضغوط المنظمات المالية الدولية التي تشكل واجهات لدول عظمي تقف في مقدمتها الولايات المتحدة.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here