لم تكن عملية البدء بمحكمة الحريري امرا اعتباطيا بالنظر الى ان هذه المحكمة قد تأخرت قرابة 9 سنوات متتالية من دون ان يكون هناك أفق واسع لانعقادها، لكن الظاهر ان التصميم الدولي على الإسراع بعقد مؤتمر جنيف 2 قد أدى الى عملية تسريع انعقاد المحاكمة او توقيت موعدها مع جنيف 2 .
أما الأسباب الموجبة لذلك فالظاهر انها جزء من تكتيك الكبار من جهة وجزء من الصفقة الاقليمية من جهة أخرى ، فالاتفاق الروسي ـ الامريكي على عقد جنيف 2 لحل الأزمة السورية فيه مراعاة للجانب الروسي لانه الطرف الدولي الداعم للحكومة السورية، وهو القطب الذي استطاع ان يعادل كفة الموازنة ويحافظ على بقاء الدولة السورية من الانهيار الذي اصاب الحكومات التونسية والمصرية واليمنية فيما يعرف بالربيع العربي، وعليه فوصول الازمة السورية الى نهايتها الحالية من دون سقوط نظام الأسد هو نصر عالمي لروسيا وترجيح لكفة حلفائها في المنطقة وفي مقدمتهم (ايران) وهذا ما لا يرضي أميركا وحلفاءها في المنطقة .
أما بالنسبة لمحكمة الحريري فهنالك العديد من النواقص المؤثرة فيها باعتبار ان المتهمين الأربعة سيحاكمون غيابيا بسبب عدم تمكن السلطات اللبنانية او الدولية من القاء القبض عليهم وكذلك بسبب عدم وجود التمويل اللازم لاستمرارها طويلا والاهم هو عدم وجود دلائل وقرائن أكيدة يمكن الركون اليها في توجيه الاتهام القطعي والأكيد، وبناء على هذه المرتكزات المعروفة وما خفي عن الإعلام تكون عملية الدفع لكي تتزامن عقد المحكمة مع جنيف 2 لهدف سياسي بحت وهو وضع ورقة ضاغطة بيد الطرف  الراعي الأميركي مثلما كانت ورقة جنيف بيد الضاغط الروسي وهنا تتعادل الكفة الدولية بتزامن المحكمة مع المؤتمر حيث حقق كل طرف عنصر قوة ووضع بيده ورقة يمكن ان يناور بها امام الطرف الآخر فيما اذا انحرفت بعض مسارات المحكمة او المؤتمر .
أما على الطرف الاقليمي فان انعقاد مؤتمر جنيف 2 هو نصر لايران وسوريا وحزب الله ولكل من وقف معهم سرا او علانية وان نهاية جنيف 2 طالت او قصرت فانها سوف لن تؤدي الى ابعاد الأسد عن السلطة، وهذا معناه بالنهاية نصر لسياسية ايران وحلفائها في المنطقة وتعزيزا لدورهم الاقليمي ، في حين ان انعقاد محكمة الحريري في لاهاي هو نصر للسعودية وحلفائها في المنطقة وهي أداة ضغط قوية على محور ايران ـ سورية ـ حزب الله ولا سيما وان المتهمين الاربعة كلهم من حزب الله كما تدعي وسائل الإعلام، وعليه فان المحكمة ستستخدم لإيجاد ضغط هائل على المحور الايراني ـ العربي لان اي اتهام جدي من المحكمة لحزب الله او الحكومة السورية في نهايته سيقود الى خلق ازمة كبيرة ويمكن ان يؤدي الى ان تستدعى اسماء كبيرة في الحزب والحكومة السورية بعد الاتهام للقضاء الدولي وهذا خط أحمر لدى ايران، وعليه فانه مثلما تم وضع ورقة جنيف 2 بيد ايران وحلفائها تم بالمقابل وضع ورقة المحكمة بيد السعودية وحلفائها .
ان الهدف الروسي ـ الاميركي من هذه المعادلة الصعبة هو لخلق حالة توازن في مؤتمر جنيف 2 ومحكمة الحريري لأن إعلاء اي طرف ومحاولة فرض شروطه في جهة سيقود الى تسليط ضغوط عليه في الجهة الاخرى، وهكذا سيفهم الجميع ان  مساحة الحركة والمناورة امامه محددة بنوايا الكبار وان الاتفاق النهائي يجب ان يكون مرضيا لكل الاطراف من دون ان يكون هناك خاسر تام او رابح تام، لذلك من المرجح ان تكون نتائج المحكمة والمؤتمر هي جزء من اتفاق كلي دولــي ـ اقليمي يأخــذ فيـه كــل طــرف جزءا مما يريــد ويترك جزءا للطرف الآخــر.
أما علاقة العراق بالمحكمة والمؤتمر فـــهي وثيـقـــــة ومباشرة ، فـالأزمة السورية وتداعياتها هي التي اربكت الوضع العراقي، ولو سقط النظام السوري لكانت النتائج اكثر كارثية على العراق، وعليه فهناك تلازم لا يخفى على عين متابعة بين الازمة السورية والواقع العراقي، ونهايات الازمة سواء كانت سلبية أو ايجابية فهي ستؤثر في العراق، وبالطريقة نفسها نرى كذلك ان المحكمة أيضا مؤثرة بالعراق وان كانت بصورة اخف من المؤتمر، لكن محكمة الحريري ان خرجت عن سياقها وتحولت كأداة قويـة بيد الاطراف الداعمة لها لكي تجلد بها خصومها فهذا معناه حصول أزمة اخرى ستكون أشد قوة من الازمة السورية وسيكتوي العراق بنارها أيضا وسيكون طرفا فيها شاء أم أبى، ولان اية نتيجة غير متوقعة باسم المحكمة الدولية يمكن ان تطال اية شخصية قيادية في لبنان او سورية او ايران ستؤدي الى رد فـعل قــوي من هذه الاطراف وأي فعل ورد فعل في المنطقة سيدفع العراق له ثمنا كبيرا وهـو يقـع بين محوريـن مؤثريــن .
نحن الآن في بدايات جنيف 2 ومحكمة الحريري والخواتيم يمكن توقعها ويمكن كذلك حصول مفاجأة غير متوقعة تؤدي الى ازمة عالمية واقليمية، لكن مسار الاحداث والتزامن بيــن المؤتمر والمحكمة ليكــون أحدهما ضاغطا على الآخر يعطي امــلا أوليا بأن تحل الأمور بالتراضي، واذا مــا حصل ذلك فإن اول المستفيدين هـــو العراق تحديدا لان اية حالة استرخاء في المنطقة تعني استقرارا للعراق وسيحصل العكس فيما لــو تأزمت الأمور لأن العراق حينها سيكون فـــي قلــب مواجهة خطيرة غير متوقعة.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here