البصرة / كنوز ميديا – 

كان للذكرى الرابعة عشرة لرحيل الشاعر العراقي القتيل محمود البريكان وقع خاص في مدينة البصرة، إذ حاول اتحاد الأدباء في هذه المدينة أن يغير من الطريقة الاحتفالية برحيل شاعر أثر في الشعر العراقي كثيراً… فقد تجمع الأدباء البصريون ليسيروا باتجاه مقبرة الحسن البصري من أجل الوقوف على قبر البريكان بحثاً عن كسر عزلته التي عرف بها طوال حياته.
الرحلة لم تنته عند ذلك القبر، بل كان الاحتفاء بذكراه هذه في مدينته التي خرج منها، لتكون الجلسة في مكتبة الزبير. تلك الجلسة التي أدارها الدكتور ضياء الثامري وقدم فيها بعض الأدباء أوراقهم وقصائدهم فيها. افتتح الجلسة القاص محمد خضير الذي أعتقد أن أسطورة البريكان لا تبنى بكثرة التفاصيل حول ذكراه، إنما بقدرة هذه الأسطورة على الإفلات من الزوائد التي تثقل الذكرى. مضيفاً: لم يطبع ديوان للشاعر، ولم يقم له تمثال، بل إن الصور التي طبعت وجهه بين وجوه زمانه نادرة أيضاً. حياته الاجتماعية متقشفة، ولم ألحظ حين زياراتي له أنه علّق صوراً أو لوحات، أو وضع تلفازاً في غرفة الاستقبال. أصدقاؤه قليلون ولم يخلف سوى ولدين. لم ينتظر في حزب أو ايديولوجية مرحلية. لم يتسلم منصباً وظيفياً… هذه القرائن كلها باعتقادي طبيعية تتناسب ورغبة البريكان في التخفف من أثقال الحياة. لذا فإن رحيله الفاجع كان القرينة الوحيدة غير الطبيعية، فقد كان من المقرر لهذا الإنسان أن يعيش طويلا ويموت موتاً طبيعياً. ولم يحدث هذا. لقد خيّب البريكان توقعات جيله من الأحياء ومن غير جيله. رحل بحسب توقعه هو أو بتوقع إحساسه الباطن الذي طالما خدع الآخرين بمظهره الخارجي. كان يعيش في غير زمانه كما رحل في غير زمانه. ولربما هذا ما كنا نعنيه بقولنا: عاش وحيداً ومات وحيداً. أما الدكتور فهد محسن فرحان، فقد قدّم ملخصاً من دراسة طويلة عن البريكان، بيّن فيها أن قصيدة البريكان حداثية بدءاً من التخلي عن المفردة الاستعراضية وإيثار الجملة الاسمية وقدرتها على إضاءة المسكوت عنه، وبهذا فقد كان الشاعر مبتكراً لغته الخاصة التي هي وحدها القادرة على التعبير عن رؤاه. مضيفاً: أما بخصوص المنظومة الصورية للبريكان فنجدها تتحرك على وفق مبدأ التجاوز الذي ينجم عنه؛ عادةً، التعبير الكنائي تمشياً مع إيقاع قصيدته السردية التي قد يعمد الشاعر في بعض القصائد إلى استخدام السرد المشهدي أو الرؤية المشهدية، وهي الرؤية التي تحدد المكان إطاراً وخلفية مشهدية، وهي الرؤية التي تسمى أيضاً بالمنظر المتوسط، وهو المنظر الذي لا يعرض الكل ولكنه يعرض جزءاً منه. وأشار فرحان إلى أن مشغل البريكان الشعري كان معنياً بمهاجمة بلاغة الذين سبقوه، لأن كتابته الشعرية معنية بجوهر التجربة ولا تمارس خداع الذات عبر ألاعيب البلاغة وزخارفها، إذ تأتي بمثابة الممر لتجسيد رؤيته التي يؤطرها التصوير الموضوعي وفعل العقل لدرجة أصبحت تخط للقارئ الطريق نحو فهم النص وكموجه أيضاً، كما هي وظيفة العنوان. كما تضمنت الجلسة قصائد بعضها كان عن البريكان، والبعض الآخر كان خارج عنوان الجلسة، خصوصاً من قبل شعراء مدينة الزبير الذين أرادوا أن يكونوا حاضرين فيها لا أكثر. يشار إلى أن الشاعر محمود البريكان المولود في العام 1931، رحل مقتولا في يوم 28 شباط من العام 2002، وترك خلفه أكثر من 90 نصاً شعرياً منشوراً، من دون أن يطبع أية مجموعة شعرية في حياته.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here