تتعدد آليات التمثيل الشعري بوصفه انزياحا عن المعايير والقياسات التعبيرية، وخرقا للقواعد والأصول اللغوية من شاعر الى آخر، كما تتعدد الأساليب الفنية فيما بينهم كل حسب رؤيته.فالتمثيل الشعري أو الشعرية لاتقتصر على آلية بعينها، أو رؤية فنية محددة، اذ هي وعلى حد تعبير الناقد كمال ابو ديب: (ليست خصيصة في الاشياء ذاتها، بل في تموضع الاشياء في فضاء من العلاقات) . الأمر الذي يجعل من السياق الذي ترد فيه المفردة أو العبارة بمثابة قناة للتحويل والإزاحة ابتغاء اجتراح مستويات تعبيرية مغايرة لماهياتها الأصلية. ومن هذا المنطلق ينبغي معاينة النص للكشف عن مصادر شعريته وكيفيات تشكيله. في مجموعتها الشعرية (تلك المراوح التي تلوح من بعيد) تعمل الشاعرة دنى غالي في إنتاج شعرية نصوصها على اقتناص وتأهيل الأشياء التي أصبحت بفعل الاعتياد لاتثير اهتمام أحد وتحفزه للبحث عن الوجه الآخر لتلك الأشياء عبر موضعتها في علاقات سياقية جديدة مستحدثة لإنتاج مستويات من المعاني والدلالات المختلفة. وذلك من خلال افراغها من محتوياتها الاساسية، ووظائفها المعتادة وتأطيرها بسمات وخصائص وقدرات ليست من طبيعتها وبنيتها الجوهرية، عبر بوابة الاستعارة في بابها الواسع بوصفها آلية شعرية ذات منحى استبدالي، وإعادة تشكيلها مشهديا، بعد التحويل والإنشاء الجديد، كما دأبت الشاعرة في الكثير من نصوص المجموعة على ذلك. إذ يجري توظيف الأشياء مشهديا كالجسور والمحطات والقطارات والمرايا والمدن وغيرها من الأشياء وتحريكها من مستوياتها المعتادة إلى مستويات شعرية لعرض فكرة أو معنى ما كما أسلفنا. فالجسور يجري توظيفها ضمن سياق محدد للتعبير عن مديات العمر وعبور مراحله وصولا لمديات ملؤها الانهيار والخيبات من خلال تحويل وظيفة الجسور العينية المعتادة كوسائط عبور وانتقال كما هو معروف الى وظيفة دلالية مجازية كما في قولها: (واذكر جسوراً / تنهار / تئن / لانجسر على عبورها / رغم أنها تحمل الحروف الأولى من أسمائنا) بينما يتم تعريف الرتابة شعريا عبر متلازمة القطار والمحطة: ( زواج قطار ومحطة / تلك الرتابة التي تبعث على النعاس اللذيذ). المرآة، ذلك الشيء الذي تتحدد وظيفته المعتادة في انعكاس الأشياء بالبعد الواحد المباشر، تنظر إليها الشاعرة نظرة مغايرة وتكشف عن الوجه الآخر للمرآة، لتجده فضاء لانعكاسات بأبعاد متعددة بدلالة (حمالة الأوجه) حيث يجري الإطاحة بيقينية المعنى الثابت عبر تعددية المختلف اتكاء على دلالة (الشك) وسياقها: (أشك في المراة / هل يرون ما أرى/ ام انها حمالة أوجه ؟). هذه عينة من التمثيل الشعري للأشياء ابتغاء لعرض الأفكار، أما ما يخص التمثيل الشعري للأشياء لعرض مشاهد جمالية محضة، فهناك أكثر من مشهد شعري، كما في قول الشاعرة هذا الذي يعتمد على توظيف حزمة من الاشياء وتوليفها ضمن سياق جمالي صرف: ( على غصن غير مرئي / منتصف البحر/ ليلا / تهب ريح/ تتأرجح السماء / ونصف البرتقالة يغطس / في الأفق) وكما في قولها: ( غزالة / عالية / تمر عبر النافذة / بحر وسماء / والبساط أخضر/ بيني وبينهما / كوخ خشبي وزورق مقلوب ينتظر الطلاء). وبطبيعة الحال هناك اكثر من ثيمة ووجهة نظر في مجموعة (تلك المراوح التي تلوح من بعيد) التي مثلت لها الشاعرة من خلال توظيف واستخدام التفاصيل والهموم اليومية والأمكنة واستعادة شريط الذكريات، مما أضفى على نصوص المجموعة بالمجمل بعدا واقعيا حميميا.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here