استجليت في مقالتين سابقتين انعكاس رؤيا شباط المأساوية على النسق المتنحي (المضمر) لروايتي (الوشم) لعبد الرحمن الربيعي و(القلعة الخامسة) لفاضل العزاوي، واختتم بهذه المقالة الدورة النسقية العدمية والشاعرية كما تمثلتها رواية (الرجع البعيد) لفؤاد التكرلي في مرجعيتها الاجتماعية الجامعة لشظايا تلك الرؤيا. انتهى التكرلي من كتابة (الرجع البعيد) في العام 1977 وصدرت في العام 1980 بين تاريخين من اغتصاب السلطة وإعلان الحرب على إيران. فكأنما الانعكاس القديم لرؤيا شباط يتعاظم ويتقدم مثل مدرعة عمياء تسحق ما يعترضها ويحد من شهوتها للعنف والاغتصاب، بل ان هذا الانعكاس سيضاعف نسقه التدميري المنحرف في شعور شخصيات «مريضة ومعقدة»ــ حسب تعريف إحدى شخصيات الرواية (منيرة) ــ بكتمان شديد وإصرار مبطن بالعار. لقد تساوت شعبتا نسق شباط المتنحيتان (العدمية والشاعرية) والتقتا في تأملات ذوات مفرطة الإحساس بسقوطها الأخلاقي وهربها من ماضيها ومواجهة قدرها الاجتماعي المشرف على الدخول في اشتباك مصيري، لا يقل يأسا وانطواء عن شعور مؤلف الرواية الذي بعثها والتزم نسقها المستغرق في الرقود والغفلة من صدمة المأساة، ثم طوى سيرتها بهذا التذييل النهائي تطمينا لها أو تقية من السلطة التي تريد بها وبالمؤلف شرا آنذاك: «هذه الكتلة من الورق لا تحوي ما ينسب إليها من تنهدات وكلام وأنين وابتسام، أو من سمو وعذاب ورعب وأشواق، أو من عيون وشفاه ودم ودموع. وهي إذ ترمى بعيدا فلن يصدر منها احتجاج أو عتاب. إنها صفحات خرساء لا ضرر منها ولا فائدة أيضا؛ ومن الخير لها وللجميع أن تهمل بسكون وأن تنسى» (ص 375، من الطبعة الأولى، دار ابن رشد، بيروت 1980) حاول الروائي المسترجع سيرة شخصيات شباط (ضحاياه) أن يخفف رجعها البعيد كي يتخلص من مسؤوليته عنها، لكنه من حيث علمه الوثيق بهذه السيرة دخل مدخل المتوكل المكره عن قضاياها وخرج مخرج المعترف بحقها في دفاع عادل يبرئ ضمائرها من سقطة الوجدان العاثر الموصوف في تذييل روايته ذاك. كان صوته وسط أصواتها جزءا من نسق تلوى في مهاوي الزلل والانحراف ونداء خافتا للعفو والمساندة. ناظر فؤاد التكرلي بين نسق معماره الروائي المتراوح بين القبول والإكراه، وطراز البيت البغدادي ذي الطابقين المحتدم بالحياة الداخلة والخارجة عبر الدهليز المفضي إلى الحوش المفتوح على الأروقة المرفوعة بالأعمدة الخشبية، ثم آلف تحت عقود هذا البيت بين شخصيات روايته الرئيسة (مدحت وكريم وأختهما مديحة، عدنان وخالته منيرة، حسين وابنته سناء). لكن الروائي المراقب ما لبث أن انساق وراء تبدل العلاقات القرابية لسكان البيت وسقوط كل واحد منهم في علاقة شاذة (حسين يهجر زوجته مديحة ويدخل المصح للشفاء من إدمان الكحول، وعدنان يلحق بخالته منيرة التي اغتصبها في بستان أبيه يوم كانت معلمة في بعقوبة، وهذه يتزوجها مدحت لكنه يهرب من البيت في ليلة زفافه عندما يكتشف خبيئتها، فيقترب منها كريم بعد مقتل أخيه في صبيحة انقلاب شباط ويبوح بحبه لها). تتقبل شخصيات البيت البغدادي هذه التحولات الدرامية التي قلبته طابقا على طابق، قبل حدوث الانقلاب بأشهر قليلة، بوساطة من الروائي «العادل» الذي ينحاز إلى أضعف شخصيتين (منيرة الهاربة من عارها، رمز الجمال والبراءة، ومدحت المقتول برصاص الانقلابيين حين عبوره الشارع عائدا للبيت، رمز المقاومة الحالم) أكثر من انحيازه للشخصيات القوية الأخرى (عدنان البعثي الأخرق، وحسين المنقلب على يساريته، وكريم المفعم بتأملاته السوداوية). ولكي يثبت التكرلي «عدالته» المنحازة إلى تينك الشخصيتين المستلبتين، شق نسق روايته إلى خطين سرديين أحاطا بنهايتها التي استقرت على رقم الفصل 13 المشؤوم، منصصا إياهما بعنوان واحد (الزخم والبقاء). وكان هذا الانشقاق المساوق لتصاعد الوجدان المنحرف من مخابئ البيت السرية أقوى دفاع يقدمه التكرلي في تاريخ الخطاب الروائي السياسي العراقي، قبل أن ينجرف مع نسق العلاقات الشاذة في عمليه التاليين (خاتم الرمل 1995) و(المسرات والأوجاع 1998) لكي يدلل ثانية على تطعيم الحياة الواقعية بحوادث تحمل رمز (الزخم والبقاء) وتحميل النسق المضمر بأصوات قرابية متقابلة في لحن بوليفوني، خافت ومتصاعد، حقيقي وحالم. يوم أن قرأت (الرجع البعيد) أول مرة، اكتفيت بتسجيل هوامش على متنها الرئيس المتماسك حيث لا مكان لاندساس رأي نقدي بين سطوره. ولم يغير زمن الحرب من صفوف تلك الرؤيا، فبقيت تلك الهوامش على حالها عاما بعد عام. فما عسى أن يضيفه نسق جديد على نقوش سجادة شباط التي اغتصبت منيرة على ألوانها؟ كفتنا الحادثة الغابرة فتح جرح إضافي فوق جروح الزنا الجماعي بروح دفاعية عادلة. جاءنا الرجع المنعكس عن جدار التضحيات الرمزية بصوت التكرلي ليغلق ذلك النسق، ويجدد في الوقت نفسه دورة استحالة القلق الوجودي العابر للنكسات والحروب، حيث تتساوى الإدانة والغفران في مرافعة نقدية واحدة. ما عاد في دورة نسق شباط نزع لمتظلم أو باحث عن العدالة المفقودة التي نشدها بطل (القلعة الخامسة) في زنزانته وبطل (الوشم) في متاهته. أصبح الروائي المتنحي في (الرجع البعيد) أوفق من سابقيه حين حقق لأبطاله عدالة المغلوبين في آخر المطاف على جلاديهم. وكان كذلك أبلغ منهما بدلالته النهائية على استحالة الهروب القصير أو الطويل من بيت الأسرار. حيث أن الخلاص الفردي لمئات الباحثين عن البراءة والحب والعدالة لم يجنبهم الوقوع في دورة جديدة من القتل الجماعي.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here