السجال مستمر، والشجار محتدم، والتأجيل متواصل لكن الاصوات الوطنية ومن ورائها الجماهير الواعية اصرت على توقيع قانون الميزانية قبل نهاية شهر كانون الثاني وهذا ما تم فعلا على الاقل من قبل مجلس الوزراء الذي حولها الى رئاسة البرلمان لغرض التصويت عليها واقرارها.ويبدو ان الاعتراضات ستستمر في البرلمان بسبب  وجود ثغرات كثيرة ومنها حصة اقليم كردستان ،وحصة البصرة من مشروع البترو دولار المحددة بدولار واحد عن كل برميل بينما المفروض ان تكون خمسة دولارات عن كل برميل  نفط مستخرج ،
البصرة التي يبدو انها ستعاني الحرمان طويلا في العهد الجديد بسبب حساسية موقعها مثلما عانته في العهود السود المنصرمة فلم تفلح في التحول الى اقليم لسبب ولآخر ،وعورض مشروع جعلها عاصمة اقتصادية للعراق لغاية في بعض النفوس وهاهي  البصرة  التي تشكل 80% من اقتصاد العراق وتضم اكثر من ثلاثة ملايين مواطن عراقي تتساوى مع محافظة سكانها اقل من مليون نسمة ولاتقدم فلسا واحدا للاقتصاد العراقي في مشروع البترو دولار فيخصص لها دولار واحد عن كل برميل نفط !!.
هذه المشكلة وغيرها من الامور التي تعترض عليها بعض الكتل البرلمانية سترحل مع الموازنة الى البرلمان .تبقى مسألة استثمار الاموال المخصصة للمحافظات وهل ستوضع في المشاريع الضرورية والخدمية منها بوجه خاص؟ هل ستعالج ولو جزءا واضحا من معاناة وهموم الطبقات المسحوقة؟ وهل اتخذت التدابير اللازمة لحفظها وحمايتها من الفاسدين والمفسدين؟!.
مع مطلع كل عام يبدأ هاجس اقرار الموازنة العامة يؤرق الجميع، مسؤولين حكوميين ومعارضين، مثقفين ومفكرين وبسطاء الناس. وكأن عرقلة اقرار تلك الموازنة وعدم اقرارها في وقتها المحدد من المسلمات والبديهيات نتيجة تكرار حالة العرقلة والتلكوء في كل عام. الذي شجع على هذه الحالة ورسخها مسألة التوافق والقبول بربط القرارات المختلف عليها بالموازنة العامة، وكما هو معلوم فأن بعض القوانين التي تصر عليها بعض الكتل وتتمسك بالمطالبة بالتوقيع عليها دون تعديل او تغيير توضع مقابل التوقيع على الميزانية، وهذا من اغرب المساومات والتي لن تحصل في البلدان الديمقراطية وترفضها جميع النظم الدستورية.
تأجل التوقيع على الميزانية العامة عدة مرات واستغرق الكثير من الجلسات البرلمانية الناقصة النصاب بسبب قضية مدينة كركوك مرة وبسبب تخصيصات المحافظات مرة، وبسبب حصة اقليم كردستان المتميزة مرات وبسبب قانون العفو العام المشروط حينا وغير المشروط حينا اخر، وبسبب قوانين الاستثمار مرة، وقانون شركات النفط مرات، اما في هذه السنة فقد وضع قانون اقرار الموازنة العمومية في كفة ومطالب فئوية لشركاء العملية السياسية  في كفة. تلكؤ بعض الكتل او امتناعها عن التوقيع على قانون الميزانية العمومية تحت بعض الحجج والاعذار وضعها في موضع التهمة او الشهبة وفتح الباب مشرعا للانتقادات والتعريض، كما زاد الكتل والتحالفات الاخرى اصرارا وامتناعا وشجع بعضها على طرح شروط اضافية مقابل التوقيع على قانون الموازنة العامة الامر الذي زاد المسألة تعقيدا وارباكا.
لاشك ان تزامن عرض بعض القوانين مع طرح قانون اقرار الموازنة امر مقصود وربط التوقيع على القوانين جملة واحدة او عدم التوقيع تقليد غير حضاري وغير ديمقراطي، خاصة وان تأخير توقيع الموازنة العمومية يؤخر تنفيذ جميع المشاريع التي احوج ما تكون اليها المحافظات قبل العاصمة والتي ترتبط بها معاشات الناس وخدماتهم وحاجاتهم الضرورية كما يربك سير عمل المشاريع التنموية وربما يفشل معظمها بسبب تأخر صرف التخصيصات. فعامل الوقت الذي يقوم عليه نظام الكون ويعامل بقدسية والتزام من لدن الشعوب الحية والحكومات الحريصة على بناء مستقبل اوطانها ومصير اجيالها والذي نصرفه هدرا ويضيعه البرلمانيون والمسؤولون بين نقاشات عقيمة وسجالات مجدبة وشجار وخلاف وتبادل القاء التهم وغياب عن حضور الجلسات وتأجيل بعد تأجيل، هذا الوقت المهدور اضاع على العراق فرصا لا تعوض خاصة وهو يخرج من احلك مرحلة دكتاتورية مقيتة ويتعرض لاعتى هجمة ارهابية، وافقد العراقيين الكثير مما كانوا يتمنونه ويصْبُون اليه واخّرهم عن ركب الانسانية بعد ان ابعدتهم حقب الدكتاتورية وحروبها عن التقدم بعد الطفرات العلمية التي حققتها شعوب العالم خلال السنين الاربعين الماضية.
التصويت على الميزانية العامة هذا العام يأتي في ختام الدورة البرلمانية وعلى مشارف انتخابات نيابية ودورة جديدة، وهذا مايزيد الامر خطورة، فكثرة التأجيلات قد تؤدي الى ترحيل الميزانية الى البرلمان القادم ما يعني توقيف وتجميد الاعمال والانشطة والمشاريع مدة ستة اشهر على اقل تقدير!. ولا نتصور ان حركة او مسؤولا عراقيا تهمه مصلحة وطنه وقضية شعبه يرضى بذلك او يتحمل مسؤوليته ومع كل قانون يصدر في الوقت الضائع وما يشتجر عليه من خلاف واعتراض وما يثيره من لغط ويؤخره من عمل ترتفع اصواتنا قبل اقلامنا:
 
اين كنتم ايها المشرعون، وايها المفكرون والمقترحون؟ لتكن لكم فيما حصل عبرة واعتبار فقد مررت اكثر القرارات والتشريعات محملة بالنواقص والاخطاء نتيجة عدم الدراسة الكافية لها وحساب تداعيات بعض فقراتها في المستقبل المنظور والبعيد والامثلة على ذلك كثيرة، مررَّت على طريقة التوافقات وارضاء لهذا الطرف او ذاك. لكن الذي حصل ويحصل هو تكرار اخطاء مقصودة ومبيتة، ووقوع متعمد في المحظور. فالمعروف ان العاقل او المؤمن لايلدغ من جحر مرتين، ومن تكررت اخطاؤه قل عتابه، ومن كثر اعتذاره قل اعتباره، ومن قل اعتباره تساوى ليله ونهاره.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here