نغم النعمة

يعتبر موضوع الإغراق من المواضيع المعقدة والشائكة التي تواجه حكومات واسواق معظم البلدان النامية ، لكونه يمثل عملية بين طرفين غير متكافئين على الاطلاق أولها: ان الدول المتقدمة وشركاتها العملاقة هي ذات تكنولوجيا عالية جدا وامكانيات مالية وادارية ونظام معلوماتي وقدرة على التأقلم مع الاقتصاد العالمي ، واسواقها تعاني من فائض كبير جداً في الانتاج. فضلا عن توظيف امكانياتها السياسية والاقتصادية لقطف ثمار حرية التجارة وسياسة الاغراق لصالح منتجاتها. والثاني: المتمثل بالبلدان النامية ومنشآتها التي تتسم بضعف قدرتها على منافسة المنشآت العالمية لضعف امكانياتها التكنولوجية والفنية والادارية والمالية والمعلوماتية ، مما ادى الى ارتفاع التكاليف وانخفاض انتاجها ، فضلا عن ضعف التشريعات التي تمنع سياسة الاغراق والحفاظ على حماية صناعاتها من جهة ، وضعف امكانياتها العلمية والفنية والسياسية والاقتصادية للتنافس مع الدول المتقدمة لقطف ثمار محاسن حرية التجارة لصالح سلعها ومستهلكيها واقتصادياتها من جهة اخرى.

فالاغراق الذي شهده السوق العراقي بعد عام 2003 قد دمر ما شيد من الصناعات الوطنية وشل القطاع الزراعي وزاد من العاطلين وتضرر المستهلك من خلال ارتفاع اسعار السلع الزراعية المستوردة خاصة للعامين 2006 و 2007 وورود سلع رديئة جدا وضارة بالصحة ، وسلع صناعية مغشوشة وانعدام القوانين التي تحمي الصناعة الوطنية والمستهلك وتعطيل مؤسسات الدولة ذات العلاقة والفساد المالي والاداري.

الأمر الذي يتطلب تكاتف جميع الجهود للتصدي لهذه الظاهرة ، فوزارة الصناعة والتجارة والتخطيط ممثلة بالجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية هي المعنية أولا ، لكونها جهات مطالبة بعدة التزامات تجاه المصنعين والمنتجين بالالتزام بمعايير الجودة وفق المواصفات القياسية المعتمدة العراقية والعالمية و(الصحة) معنية بموضوعات الرقابـــة ، و(الداخلية) ممثلة بمديرية مكافحة الجريمة الاقتصادية واهمية دورها الرقابي ، ولها دور في موضوعة الاغراق او منع الاحتكار وهو جزء من عملها. فضلا عن منظمات وجمعيات الاعمال والمال والاقتصاد والمجتمع المدني.

لذا نجد ان ظاهرة الاغراق جاءت نتيجة لما يأتي:

1- ان انفتاح الأسواق يؤدي إلى أن تقوم بعض الدول والشركات بممارسة تنافسية غير عادلة تضر بالمنتجات الوطنية في دول أخرى ، وقد أتاحت منظمة التجارة العالمية للدول الحق في حماية منتجاتها وصناعتها الوطنية من الممارسات التجارية التي تسبب الضرر واتخاذ تدابير وإجراءات للحماية أو الوقاية من الممارسات الضارة بالصناعات والمنتجات الوطنية.

2- تنبع أهمية وجود وتفعيل قانون محلي للحماية من الإغراق من:

* الانحراف السعري ، لأن الجودة ليست مشكلة بل ضرورة ملحة ومطلوبة.

* الإغراق من الدول الغير منضمة للاتفاقيات الدولية.

* تنظيم المنتجين في جمعيات وهيئات.

* يضمن توحيد الرؤى وتبادل الخبرات.

* توفير البيانات والإحصاءات للجهات المختصة.

* تنسيق مصالح الأعضاء مع مصالح اقتصاد الدولة.

3- إن إثبات وتوثيق حالة الإغراق يتطلب الكثير من الجهد القانوني والفني والمعلومات الدقيقة ، مما يتطلب تضافر جهود العديد من الجهات ذات العلاقة والتي يأتي على رأسها التنظيمات الخاصة بالمنتجين.

4- أن قدرة القطاع الخاص على الانتفاع من الإطار المؤسسي الذي نتج عن جولة أوروجواي , أو بمعنى آخر اتفاقيات منظمة التجارة العالمية , تعتمد إلى حد كبير على معرفتهم بالقواعد التجارية والحقوق التي قد تترتب على هذه الاتفاقيات إلى جانب الالتزامات التي تفرضها.

5- وجوب معرفة القطاع الخاص بالفرص التجارية الجديدة التي قد تنشأ عن التزامات تحرير التجارة التي تتعهد بها الدول أثناء المفاوضات , إضافة إلى مبادرته إلى إطلاع حكوماته على المشكلات التي يواجهها في تسويق منتجاته في الأسواق العالمية. هذا وأن للقطاع الخاص في دول العالم مشاركة كبيرة ودوراً بارزاً في عملية التفاوض التي تجري بخصوص اتفاقيات المنظمة العالمية , حيث تحرص الدول المتقدمة على مشاركة هذا القطاع بالرأي والمشورة ، فيما تتفاوض بشأنه في جولات المفاوضات المختلفة , وتنقل إلى الدول الأخرى ومن قبلها مؤسسات المنظمة العالمية مقترحات هذا القطاع وآراءه.

6- إن انفتاح السوق العراقية على مصراعيها وبشكل فوضوي وغير مسؤول لكل أنواع السلع الأجنبية الصناعية والزراعية والمواد الغذائية وكل شيء ودون ضوابط ولا تخضع للرسوم الجمركية , الأمر الذي أدى إلى توقف العديد من المصانع عن الإنتاج ومعاناة البعض

الأخر منها لعدم قدرتها على المنافسة وتصريف الإنتاج بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج والأسعار وعدم القدرة التنافسية.

7- كما أن العديد من السلع الصناعية تباع بأسعار رخيصة وربما دون مستوى تكلفة إنتاجها في بلدانها الأصلية مما يثير الشكوك حول وجود حالة الإغراق (Dumping) والتي تعني أن بعض الشركات قد تبيع منتجاتها بأسعار دون التكلفة الحقيقية بهدف السيطرة على السوق العراقي وإزاحة الإنتاج المحلي ، ومن ثم تعمد إلى رفع أسعار منتجاتها بعد أن تتم السيطرة تماما على السوق. إن حالة الإغراق هذه مرفوضة حتى بموجب قوانين منظمة التجارة العالمية , حيث يحق للبلد الذي يتعرض لمثل هذه الحالة أقامه الدعوى لدى المنظمة على الشركة التي تمارس حالة الإغراق بهدف مكافحتها من خلال فرض الرسوم الجمركية عليها , في حين إن مثل هذه الحالة تستمر في العراق دون ردود فعل من الجهات العراقية المعنية رغم تكرار الدعوات لإنقاذ الصناعة العراقية من هذه الحالة. وغالبا ماتتردد تصريحات من أوساط وزارة التجارة تعلن فيها توقعاتها بمضاعفة قيمة التبادل التجاري بين العراق وبعض الدول المجاورة الأخرى مثل تركيا وإيران وغيرهما وكأن تحقيق زيادة استيراد السلع يمثل انجازا اقتصاديا كبيرا حتى وان كان على حساب تدمير الإنتاج الصناعي المحلي وزيادة أعداد العاطلين عن العمل. وهذا يدعم صحة فرضية البحث.

8- وأخيرا لا بد من الإشارة إلى إن مبررات الحماية والدعم في حالة العراق في الوقت الحاضر تمتلك كل المبررات الاقتصادية وغير الاقتصادية وخاصة إذا ما كانت تستخدم لفترة محددة , فالبلدان المتقدمة كالولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية وغيرها تلجأ من وقت لآخر إلى استخدام الحماية (السعرية منها والكمية) لحماية بعض منتجاتها التي تعاني من منافسة شديدة من بلدان أخرى بحجة الحفاظ على العمالة الوطنية في تلك الصناعات ودفاعا عن مصالح المستثمرين الصناعيين في بلدانهم فكيف بنا ونحن في العراق نعاني حاليا من ظروف استثنائية وقاسية تهدد باختفاء الصناعة العراقية وتدمير الاقتصاد الوطني.

وبناءا عليه بات من الضروري القيام بالاتي:

1- تفعيل العمل بقانون حماية المنتجات العراقية رقم (11) لسنة 2010 ، الذي جاء إنسجاماً مع المتغيرات التي طرأت على الإقتصاد العراقي وفتح الأسواق أمام التجارة العالمية ولغرض بناء صناعة وطنية ولتفادي حدوث ضرر قد يلحق بها من الممارسات الضارة من سياسات إغراق الأسواق بالمنتجات أو الزيادات غير المبررة في الواردات أو المنتجات المستوردة التي تدعمها الدول المصدرة الى جمهورية العراق بما يؤدي الى فقدان شروط المنافسة العادلة لأجل ذلك تم تقديم مشروع قانون حماية المنتجات العراقية.

2- وضع إستراتيجية محددة وواضحة للتنمية الصناعية والزراعية , وذلك كجزء من إستراتيجية عامة للتنمية الاقتصادية , تستهدف إعادة بناء الصناعة وتأهيلها وتطويرها بما يعزز دورها في عملية التنمية الاقتصادية , مع إعطاء دور فاعل للدولة في هذا المضمار إلى جانب القطاعين الخاص والمختلط.

3- وضع سياسات صناعية وإجراءات مناسبة لغرض دعم وتشجيع النشاط الصناعي بما يؤمن النهوض بواقع الصناعة وتنميتها ورفع كفاءتها. وتفعيل دور دائرة التنظيم والتطوير الصناعي في وزارة الصناعة بهدف إجراء التدابير لمواجهة الممارسات الضاره.

4- ومن جملة السياسات التجارية المطلوبة هي اللجوء إلى وسائل حماية الصناعة الوطنية من المنافسة الأجنبية وخصوصا في هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها الصناعة العراقية وذلك من خلال فرض الرسوم الجمركية المناسبة على السلع المستوردة والمنافسة للإنتاج المحلي , وبما في ذلك القيود الكمية على المستوردات في بعض الحالات وذلك لكي تتمكن الصناعة الوطنية من الوقوف على قدميها وتغطية تكاليف إنتاجها المرتفعة وتحقيق مستوى مقبول من الأرباح.

5- تقديم المحفزات المالية بأشكال مختلفة وبما يتناسب مع حاجة الصناعات المختلفة وأهميتها للاقتصاد الوطني ودعم إمكاناتها على التصدير ولفترات محددة , مثل توفير الطاقة الكهربائية بأسعار تفضيلية. ويذكر في هذا الصدد أن المملكة المتحدة في الستينات من القرن الماضي كانت تمنح مبالغ مالية (علاوة) للصناعات عن كل عامل إضافي تقوم بتشغيله وذلك لتقليص حجم البطالة لديها في حينه. وما أحوج بالعراق في مثل هذا الظرف الصعبة من تطبيق مثل هذه الوسيلة أو غيرها للمساهمة في تذليل مشكلة البطالة الواسعة من جهة وإنقاذ الصناعة الوطنية من جهة أخرى.

6- العمل على توفير التمويل اللازم للمستثمرين الصناعيين بشروط ميسرة لأغراض التأسيس والتطوير والتوسيع , سواء من خلال أسعار فائدة مخفضة وتمديد فترة التسديد للقروض الممنوحة لهم وتوفير الضمانات اللازمة للقروض من قبل الحكومة وخاصة للصناعات الصغيرة والمتوسطة.

7- العمل على دعم القطاع المختلط في العراق لما يمتلك من خبرات وقدرات صناعية مهمة تراكمت على مر السنين سيما وانه يمثل مجالا للتعاون بين القطاعين العام والخاص.

8- الاهتمام بمستوى الجودة والنوعية للصناعات العراقية من خلال دعم وتطوير الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية ومن خلال التنسيق والتعاون بين الجامعات ومراكز الأبحاث والصناعات الوطنية.

.

assad

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here