نيفين كنعان

يعتبر برنار آسليت B. Haslett  أنّ ” الثّقافة والتّواصل يتمّ اكتسابهما في وقتٍ متزامن، ولا يمكن لواحدةٍ أنّ تتواجد دون الأخرى”. ويرى هاورد غاردنر Howard Gardener أنّ “السلوكيّات التّواصليّة تقوم على القيم الثّقافيّة وتتمظهر من خلالها”.

واقع الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران لا يحيد قيد أُنملةٍ عن هذه الآراء العلميّة، ففي مرآة الخطاب السّياسيّ الإيرانيّ تظهر انعكاسات التّاريخ والثّقافة والإيديولوجيا بوضوحٍ تامّ.
وفي  استعادةٍ سريعةٍ ومقارنةٍ بسيطةٍ لخطاب الإمامين الخميني (قده) والخامنئي (دام ظلّه) يظهر أنّ هذا الخطاب حافظ على نبرةٍ ثابتة، تتصاعد حيناً وتهبط حيناً آخر، لكنها تبقى ضمن هامشٍ واضحٍ من الثّبات. أمّا على المقلب الآخر، فيتأرجح خطاب “الشيطان الأكبر” بين التّرغيب والتّرهيب سعياً لتطويع  أمّةٍ موغلةٍ في أعماق التّاريخ منذ أكثر من 4000 عام.
خطاب الإمام الخميني (قده):
“ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل”. ببساطة وبلاغة هذه الآية القرآنيّة، يختصر الإيرانيون نتيجة الحملة العسكريّة الأميركيّة على إيران في صحراء طبس (1979).
صحراء طبس لم تكن أكثر ترحاباً بالأميركيين من أهلها. فعندما حاول أولئك إسقاط حكومة الإمام الخميني (قده)، وتحرير رهائن السّفارة الأميركيّة، استقبلتهم بعاصفةٍ رمليّةٍ أدّت إلى إنفجار مروحيّاتهم العسكريّة.
على إثر العمليّة، وجّه الإمام الخميني (قده) نداءاً للشّعب الإيرانيّ تماهى مع العاصفة الصحراويّة. فخاطب سماحته جيمي كارتر ناعتاً إيّاه بـ”المهووس”  في تحقيرٍ واضحٍ لرئيس الدّولة “الأعظم” في العالم.

أنذر الإمام الرئيس الاميركي قائلاً “إنني أوجّه إنذاراً لكارتر أنّه لو أقدم على مثل هذه الاعمال الحمقاء فإنّ ضبط هذا الشباب المسلم والمجاهد والغيور والذّي يحرس جواسيس مركز التجسس لن يكون ممكناً لنا ولدولتنا، وسيكون هو ذاته من يتحمل عواقب سلامة أرواحهم”.
واعتبر الإمام أنّه “لا يدرك كارتر أي أمّة يواجه ومع أيّ مدرسة يلعب”، وعليه “أن يعلم أن أمّة الـ 35 مليون قد تربّت في مدرسة الشهادة” في تهديدٍ واضح يعكس قيم الإمام (قده) وجرأته واعتداده بجذوره وانتمائه.

فالتّاريخ “المجيد”، “ذو الاعتبار”، له حضورٌ طاغٍ في الذّهنيّة والمجتمع الإيرانيين، وهو سمةٌ تفرض نفسها ويطال تأثيرها الجيوبوليتيك والسّياسة، بحسب الخبراء.
كرّر الإمام عبارة “على كارتر أنّ يعلم” عدّة مرّات في خطابه ممّا يؤكّد أنّ النّظام الجديد، أي جمهوريّة ولاية الفقيه، هو نظامٌ لا يخضع كنظام الشّاه، وأنّ عهداً جديداً قد بدأ فعلاً. وأضاف أنّ”كارتر يجب أن يعرف أن هذا العمل قد مرغ الشّرف السّياسي وعليه أن يقطع أمله من رئاسة الجمهوريّة”.
تحذير الإمام الخميني تردّدت أصداؤه بكلمات كارتر نفسه، إذ علّق على الحملة بقوله “يا للعجب فمصير انتخابات رئاسة الجمهورية في هذا البلد الكبير يسطّر في طهران وليس في شيكاغو أو نيويورك!”.
أطلق الإمام الخميني (قده) تسمية “الشيطان الأكبر” على الولايات المتّحدة الأميركيّة، معتبراً تصرّفها “أحمق” . وختم خطابه بدعاء المؤمن الواثق “أدعو الله المتعال أن يعزّ الإسلام والمسلمين ويقطع يد الطغاة والمفسدين”.
وفي نداء الإمام في مسجد جماران (15 شعبان 1409) / (1989 م) – وهو من نداءاته الأخيرة – أكّد أنّ “تأسيس ثقافة جديدة على أساس الإسلام والتّعامل الإسلاميّ.. غير متيسّر بدون الشّهادة” وأنّ “شعبنا اختار هذا الطّريق وعلى استعداد لدفع ثمن ذلك وإنّه يفخر به أيضاً”.
وطلب من المسؤولين في الجمهوريّة الإسلاميّة “أنّ لا يخشوا أحداً غير الله العظيم، وأنّ يشدّوا الأحزمة على البطون ولا يتخلّوا عن النّضال والجهاد ضدّ فساد وفحشاء الرأسماليّة الغربيّة، وتفاهة واعتداء الماركسيّة” في استعادة واضحة لتجربة الرّسول (ص) في حربه ضدّ الظّلم والكفر.
وأكّد سماحته أنّ”على كافّة المسؤولين والشّعب الإيرانيّ أنّ يعوا جيّداً بأنّ الغرب والشّرق لن يقرّ لهما قرار ما لم يجرّدونكم – حسب تصوّرهم السّاذج – عن هويّتكم الإسلاميّة. فلا تفرحوا بالعلاقة مع المعتدين، ولا تحزنوا على قطعها”.

خطاب الإمام الخامنئي (دام ظله):
تحدّث الإمام في صلاة عيد الفطر (18/07/2015 ) عن ” المفاوضات النووية” معتبراً أنّ “مظاهرات يوم القدس العظيمة من علامات الرحمة الإلهيّة” لأنّها أظهرت معدن الشّعب الإيراني.
كرّر سماحته عبارة “هذا هو الشّعب الإيراني” مشيراً إلى صبر هذا الشّعب في تأكيد على قدرة الإيرانيين على الصّمود والمواجهة. وحمّل المسؤوليّة للمفاوضين لـ “يتمكّنوا من تقديم ما سيضعونه بين يديّ الشّعب أمام الله عزّ وجلّ بهامات منتصبة ورؤوسٍ مرفوعة”.
وردّ الإمام لجوء الأميركيين إلى “التبجّح والتّهديد”، و زعمهم “بأنّنا نحن من فرض على إيران الجلوس على طاولة الحوار، و أرغمها على الاستسلام” إلى “المشاكل الداخليّة”، مؤكّداً أنّهم “لن يروا استسلام إيران إلا في أضغاث الأحلام!”.
خاطب سماحته “ذلك الرجل” (الرّئيس الأمريكي) بالقول أنّ “خمسة رؤساء سابقين لأمريكا منذ انتصار الثورة و حتى يومنا هذا، إمّا أنّهم لاقوا حتفهم وهم يتمنّون استسلام الجمهورية الإسلامية أو ضاعوا ونسيهم التاريخ وأنتم أيضاً كنظرائكم السابقين لن تحققوا هذا الحلم”.
أمّا قوله أنّه “قادر على إبادة الجيش الإيراني” فشبّهه سماحته بـ “تبجح المسافر في الغربة” (حيث يكذب المسافر ويتفاخر ببطولات وهميّة أمام من لا يعرفه).

الالمام الخميني والسيد على الخامنئي

استمرارية النهج

كلام الإمام الخامنئي لا يحتاج للتأويل، فاعتداده بانتمائه وبالجمهوريّة الإسلاميّة “المقتدرة” و”القويّة” واضح تماماً. كذلك لم تنخفض نبرته تجاه الأميركيين، فلم يسمّ رئيس الولايات المتّحدة بالإسم مما يعكس شموخ الإيرانيين واعتزازهم لا بل وترفّعهم عن “تبجّح المسافر”.
ختم سماحته خطابه بالتّحذير من أنّه “إذا اشتعلت نيران الحرب، فإن الذي سيخرج منها منكسراً و مهزوماً هو أمريكا المعتدية والمجرمة” تالياً سورة النصر.
وفي كلمته خلال لقاء حشدٍ کبيرٍ من طلبة الجامعات و ممثلي التنظيمات الطلابية (12/07/2015) أكّد الإمام الخامنئي (دام ظلّه) على مواصلة “الكفاح ضد الإستكبار” لأنّه “إذا لم يكن هناك كفاح ضدّ الإستكبار فلن نكون من أتباع القرآن”.
كذلك أكّد سماحته على “الثقة بالنفس.. وهي نفسها عبارة “نحن قادرون” (مامي توانيم) التي وردت في كلماتكم” لأنّه “ينبغي السّعي لتكريس فكرة الثقة بالذات الوطنية” مستشهداً بآيات القرآن “اَتَخشَونَهُم”، “فَاللهُ اَحَقُّ اَن تَخشَوه”، تأكيداً على الخوف من الله وحده لا من أميركا أوسواها.
ثمّ تحدّث سماحته عمّن يشتكون من “التواجد المذهل للجمهورية الإسلامية في هذه المنطقة” و”يتوقعون من أمريكا أن تضغط، و تقول لهم أمريكا: و ما أفعل، لا أستطيع!” وأجابهم أنّ “هذا النفوذ موهبة إلهية، فهل يمكن فعل شيء لهذه الموهبة؟ “قُل موتوا بِغَيظِكم” “.
شكّل استخدام المجتمع الإيراني لعبارة “مامي توانيم” تأكيداً واضحاً على رسوخ مبادئ ثورة الإمام الخميني (قده) لدى الجيل الشّاب. أمّا ردود الإمام الخامنئي حول نفوذ إيران فترجمت قناعات الشّعب الإيراني المؤمن بأهميّة دوره في المنطقة بناءً على تاريخه وواقعه.

  ملامح الخطاب الإيراني:
انطلاقاً ممّا تقدّم، يتّضح أنّ هناك مجموعة من المفردات الثّابتة في إيران كـ “الإستكبار”، و”الشّيطان الأكبر”، و”المستضعفين”،  و”العزّة”. أمّا ثالوث الخطاب الإيرانيّ المقدّس فيتشكّل من أقانيم “الإسلام، الأمّة الإسلاميّة، والشّعب”.
يتميّز الشّعب الإيرانيّ بثقافة خاصّة، واعتدادٍ بهويّته، وهي مقوّمات لها تأثير عميق ودائم في المنطقة خاصةً في آسيا الوسطى، الهند، ودول الخليج العربيّ، وهو ما “يّذهل” الغرب كما يعبّر الأكاديميون الغربيين أنفسهم.
وعبر خطاب الجمهوريّة الإسلاميّة القائم على مفهوم “الأمّة الإسلاميّة”، تتخلّص إيران من محاولة خنقها بين حديّ ثنائيّتيّ الأقليّة الشيعيّة/الأكثريّة السنيّة  والقوميّة الفارسيّة/القوميّة العربيّة.
لذا يظهر جلياً طغيان المفاهيم والمصطلحات والآيات القرآنيّة على هذا الخطاب (الشيطان، المفسدين، سورة النصر). وهو أمرٌ بديهي في جمهوريّة محكومة بتأثير الثّقافة الدّينيّة القائمة على الإحياء السنويّ لذكرى استشهاد الإمام الحسين (ع) تبعاً لآراء المتخصّصين الغربيين.
فاستخدام ضمير “نحن” والـ “نا” يعود غالباً لأمّة “الإسلام المحمّديّ الأصيل” و”الشّعب الإيرانيّ العزيز” مما يظهر الإعتداد بالقوميّة الفارسيّة المنضويّة تحت لواء الإسلام ومحمّد (ص).
يتميّز خطاب الإمام الخميني (قده) بأنّه واضح، ومباشر، وشديد الحزم، وعالي النبرة مما يعكس مخاض مرحلة تأسيس الجمهوريّة الإسلاميّة. وعند الإستماع لخطاب الإمام الخامنئي (دام ظله) ستستمع لآصداء أفكار الإمام الخميني (قده) وتقرأ كلماته، ومصطلحاته، ولكن بأسلوب أكثر هدوءًا يشبه واقع الجمهوريّة بعدما باتت قوّة نوويّة باعتراف العالم أجمع.
ولليوم، يتميّز الخطاب الإيرانيّ بأنّ لا مكان لقفازات الكذب وأقنعته فيه، وبالإعتداد والاعتزاز بالذّات، والثّقة بالله. ويُظهر أنّ الخيارات الإيرانيّة واضحة، جذريّة، لا وجود للمنطقة الرّمادية بين الحريّة والعبوديّة فيها، وأنّ الحقّ مطلقٌ لا يحتمل “نقص” النسبيّة.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here