منذ أسبوعين كتبتُ في هذا العمود عن جانب من المحنة التي يواجهها التعليم العالي في بلادنا وأدت الى تراجع مستواه على نحو مريع، وهي المحنة التي ابتدأت فصولها في عهد النظام السابق ولم تشهد نهاية في العهد الجديد، بل انها تتفاقم الآن.
إنها محنة التجاوز على القواعد والشروط العلمية المتبعة حتى في البلدان المتخلفة، والخاصة بالقبول في الدراسات الجامعية الأولية والعليا على السواء. كان نظام صدام يزجّ بالآلاف من أنصاره وعناصر أجهزته الأمنية في الجامعات من دون استحقاق. والآن تفعل القوى المتنفذة في النظام الجديد الشيء نفسه وأكثر.
أمس حصلنا على شهادة ثمينة من عميد كلية الإعلام بجامعة بغداد بالوكالة الدكتور هاشم حسن التميمي، فقد نشر “رسالة عاجلة” مفتوحة الى رئيس مجلس الوزراء ( الزميلة : المشرق) كشف فيها انه يجري الآن ما كان يجري في عهد نظام صدام من قبول عناصر أجهزة الأمن في الدراسات العليا تجاوزاً على القواعد والشروط العلمية.
يبدأ الدكتور التميمي رسالته بالقول : “أعرفُ مسبقا أنّ قول الحقيقة ووضع النقاط على الحروف سيكلفني كثيراً، لاسيما وانا أتولى منصباً بالوكالة لعمادة كلية الإعلام، ولكنني كنت منذ شرعت بالكتابة الصحفية قبل أربعين عاماً أضع مصلحة الجمهور قبل مصلحتي الشخصية، ومؤمن بأن الساكت عن الحق شيطان أخرس، وأكره جدا مقولة (إذا كان الكلام من فضة فإن السكوت من ذهب). اعشق المواجهة بالحق، وأكره أسلوب النعامة للاستقرار بالمنصب مثل الحمامة”.
ويتحدث عميد الإعلام عن “الاستثناءات وبدعة (حجز المقاعد) لفلان أو علان من هذا الحزب أو من تلك الجهات والأجهزة الحكومية، خاصة أولئك الذين لا تتوفر فيهم مؤهلات الحد الأدنى للقبول بالدراسات العليا، حتى أن احدهم حصل في محاولات سابقة للتقديم على درجة الصفر في الامتحان التنافسي، ولا يمتلك الحد الأدنى من الخبرة في المهارات العملية، ويفكر أن يصبح دكتوراً بـ(الكوترة) وأمثاله الكثير”..
ويدعو رئيس مجلس الوزراء بوصفه “من أوائل الذين رفعوا شعار دولة القانون” الى “أن يراجع، بل يُلغي، قراره بحجز مقاعد في الدراسات العليا لبعض موظفي أجهزة الدولة بدون منافسة، ومن دون توفر مؤهلات الحد الأدنى والشروط العامة وخطط القبول التي وضعتها اللجان العلمية في الكليات وأقرتها جهات متخصصة في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، الهدف منها ترصين التعليم وإبعاده عن التسييس ومنح فرص للمتميزين والمبدعين لخدمة البلاد معرفياً، وليس لمجرد منح شهادات وألقاب علمية”.
ويتابع قائلاً: “نأمل من دولة رئيس الوزراء ان يستكمل الخطوة الجريئة برفض قبول أعضاء مجلس النواب وأصحاب الدرجات الخاصة بالدراسات العليا لعدم تفرغهم، ان يسري على كبار المسؤولين وموظفي الأجهزة الأمنية، حيث تتطلب المصالح العليا للبلاد تفرغهم الكامل لمواجهة الإرهاب وليس العودة لمقاعد الدراسة بأسلوب حجز المقاعد، وكأن الدراسات العليا رحلة في الخطوط الجوية العراقية”.
شهادة قوية من اكاديمي له تاريخ .. عسى ألا يُعيد ساعي البريد إليه رسالته بدعوى “مجهولية” محل إقامة المُرسل إليه!!

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here