يصرّ التيار المتشدد في الولايات المتحدة على دفع الكونغرس لتأييد توجيه ضربة إلى سوريا، بينما يعارض أعضاء كثر فيه الإقدام على هكذا خطوة. مبعث المعارضة هو السؤال عن مصلحة الولايات المتحدة في ذلك، لذلك فان انصار الضربة يحاولون ايجاد ربط بينها وبين المصالح الاميركية، تماما كما كان الرئيس السابق جورج بوش الابن واركان إدارته يفعلون. كانوا يبررون البقاء وتقديم الخسائر في العراق بأن ذلك يبعد الخطر عن بلادهم ويجعل الحرب دائرة في “أرض العدو” كما كانوا يقولون. الضربة المطلوبة لسوريا الآن ليست كما كانت في العراق في 2003, بل هي أشبه بضربة ثعلب الصحراء المحدودة لكن المكثفة جدا لمواقع عراقية في عهد ادارة كلنتون الديمقراطية عام 1998.
لكن المخاوف لدى أوباما تبدو في عدم القدرة على ضمان “محدوديتها”، وبالتالي السقوط في ورطة تكلّف واشنطن وحلفاءها في المنطقة وعلى رأسهم إسرائيل ما لا يستطيعون تحمّله. وأوباما ذو النهج المتعقل يفكر كثيرا قبل اتخاذ هكذا خطوة، وأحسب أنه لا يريدها أساسا لاعتبارات شخصية تتعلق بجذوره العرقية والدينية، إلا انه لا يستطيع إلا التصرف كرأس هرم القوة في العالم، ويضاف الى ذلك، الضغوط التي يواجهها في الداخل من التيار المتشدد. هنا كانت الإحالة الى الكونغرس مخرجا له، وربما يكون “إخراجا” لسيناريو التخلي عن الضربة يحفظ ماء وجه واشنطن. وقد يعتمد الكونغرس على “عدم كفاية ” الادلة المعتمدة لإثبات استخدام نظام الاسد للاسلحة الكيمياوية والتي كانت وراء عدم موافقة مجلس العموم البريطاني على اشتراك انكلترا في الضربة، وعلى الاستطلاعات الشعبية التي أفرزت غالبية أميركية معارضة لها، ليخرج الكونغرس بقرار نهائي حول السماح او عدم السماح للرئيس بتنفيذ الضربة المحدودة .

في جلسة الاستماع التي عقدتها لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الاميركي كانت اسئلة الاعضاء لوزيري الخارجية والدفاع الاميركيين تشير الى الكثير من الهواجس، أولها من يضمن ان تتم هذه الضربة بشكل محدود؟ وماذا سيكون مصير الدور الاميركي اذا توسع نطاق الحرب؟ ومن يضمن ان يؤدي اضعاف النظام الى وصول معارضة معتدلة وليست القاعدة وجبهة النصرة الى السلطة في سوريا؟ لم يستطيع الوزيران سوى تقديم اجابات عامة لا تبدو كافية لتبديد الهواجس. مبعث هذه الهواجس ان عقد التحالف الاوروبي المؤيد للضربة انفرط بخروج انكلترا بداية وفرنسا لاحقا، وبالتالي كان اعضاء الكونغرس يسألون: لماذا لا يشارك أصدقاؤنا في الضربة بدل الاكتفاء بالتأييد؟ كما ان التحذيرات الروسية والسورية والايرانية من مغبة أي عمل عسكري ضد سوريا بدت وكأنها تستند الى قدرة نظام الاسد على رد من شأنه توسيع رقعة الحرب وإدخال اطراف اقليمية فيها، وبالتالي توجيه اخطار كبيرة الى مصالح واشنطن أو اصدقائها في المنطقة. يعترف اوباما واركان إدارته بأنهم لا يريدون اسقاط النظام، بل يريدون ضربة محدودة، فهل يدفع الشك في ضمان محدوديتها، الكونغرس الى عدم الموافقة عليها؟

المشاركة

اترك تعليق