( كل غجري في هذا العلم هو لص يسرق الضوء ويصنع منه رقصة فاحشة تليق بجسد اخته التي سلبت بميلانها وشهقة انفاسها كل مافي عقلي من فلسفة وعطر بدن ،وتأمل لمن اردت الوصول اليه بقبلة صلاة )
من صوفياتي القديمة

الغجر في العامية العراقية هم ( الكاولية ) واظن انها تسمية غير عربية ، ربما هي اعجمية ، ولم اسمعها بلفظ مختلف إلا في فم ( المسؤول الحزبي ) فيقولها ( كيولية ) وليس كما نلفظها نحن ( كاولية ).غير ان معناها وهاجسها يختلف بيننا وبينه ،فهو يراها اشباع لغريزة الجسد فقط ، ونحن نراها اشباع لخيال المراهقة والنضوج المبكر واجازات الجندية المتأخرة والأنس المتمايل في روح الليل ، والذي صار جزءاً من تراثنا الحضاري والثقافي بفضل الأسطورية ( بنت الريم ) وبناتها اللائي شاركن المطرب الخالد ( داخل حسن ) اغنيته الجميلة 🙁 لو رايد عشرتي وياك ..حجي الجذب لاتطريه .. ادور عله الصدك ياناس ..ضاع وبعد وين الكاه ..!)..
وهكذا بقي الغجر جزء من المشهد الحياتي في المجتمع ولكن دون ان يلجوا اليه إلا عندما ينتدبون شابا منهم ليذهب الى المدينة للتسوق حيث ظلوا ومنذ فجر التاريخ والنزوح الابدي الذي قام فيه الغجر الاصليون من الهند الى شتات العالم كله ، يسكنون كما الاقوام المرتحله وفي اطراف المدن بمسافات بعيدة ، وربما قسرية العيش هذه كانت تأتي بأوامر من الولاة والملوك وبلديات المدن ، وهم لايجوبون المدينة إلا عندما تتعطل رباباتهم وطبولهم عن غناء بسبب شحة طالبي الانس والمتعة ، فتتحول النساء الى قارئات بخت او بائعات اسنان ذهبية لمن فقدوا اسنانهم بمطرقة العمر او كف الشجار او عراك معركة حربية.
الغجر موجودون في الأرض كلها ، يعيشون على هامش الحياة ولم يفكروا ليكونوا شيئا كبيرا سوى ذلك الهيام الذي يربطهم بالسحر والرقص واباحة المتعة لمن يدفع ، غير أنهم امتلكوا مع بوهيمية وجودهم تراثا شفاهيا عجيبا خلد في اوبرا كارمن وروايات القرون الوسطى وبعض روايات اللبناني الاسكندر رياشي.
وفي الشعر اعطى لهم الشاعر الاسباني لوركا قيمة الحياة الخصبة والجميلة أذ مثل غجر اسبانيا مع ايقاع الفلامنكو الصورة المبتهجة للتراث الشعبي للشعوب التي تحب الحياة والطبيعة ،فكانت القصص الاسبانية عن الغجر ترتقي الى مكانة الاسطورة والخيال .كما في أوبرا كارمن .
أنا شاهدت روعة الفلامنكو صيف العام الماضي في احدى ساحات أمارة مونت كارلو ، لأتخيل في هذا الأداء شيئا من مراهقتنا ، فكاولية مونت كارلو يتجمع حولهم آلاف السياح من كل الدنيا منبهرين بصدور الغجريات ونهودهن اللائي يشبهن التفاح الفخم في لمعانه واغرائه والاجمل حين راحت واحدة منهن تؤدي رقصتها على اوتار غيتار بكى عازفه بحرارة وهو يشد عزفه مع خصر الغجرية مؤديا اغنية كتبها لوركا وفاء لهويتهم وتراثهم.
اتذكر كاولية العراق الذين ينحدرون الى اسفل الدرك كما طبقة المنبوذين في الهند لايمتلكون خصوصية ولا وجود ولم يفكر احد ان يغور في باطنهم ليعرف منهم من هم ولماذا لايؤسسون لهم هوية غير ذلك الذي يرتبط بأباحية الرقص والبغاء السريع والسكن في الاماكن القذرة.
اليوم يكاد هذا المكون الهامشي ينقرض في العراق وسيمحى هذا التأريخ من شهوات الجنود والشباب لتأتي العولمة بغريزتها الحداثوية في صناعة حسا جديرا لغجر يصنعهم الياهو والهوتميل والجيل ميل..!

المشاركة

اترك تعليق