كنوز ميديا – تقارير

من المعروف ان المسلمين في العراق يتوزعون بين سنة وشيعة، ويغلب على الشيعة المذهب الامامي الاثنا عشري، بينما ينقسم السنة الى أحناف، وهم أغلب العرب السنة والتركمان، وشوافع وهم الأكراد وبعض العرب، ومالكية وهم بعض العرب في الجنوب. كما يوجد قلة من الحنابلة يمثلهم بعض العرب في ضاحية الزبير في أقصى جنوب مدينة البصرة.
كما يقول عبد العزيز بن صالح المحمود ، في كتابه “جهود علماء العراق في الرد على الشيعة” المنشور في موقع الراصد، دراسات/العدد الثالث والستون- رمضان 1428 هـ

ومن المعروف أيضا أن الأحناف في بداية نشأتهم كانوا يميلون في عقائدهم الى المعتزلة ثم تبنوا المذهب الماتريدي، بينما تبنى الشوافع والمالكية المذهب الأشعري الذي يعتبر مذهبا وسطا بين المعتزلة وأهل الحديث (الحنابلة). وفي ظل الدولة العثمانية وربما قبل ذلك انتشرت بين السنة الطرق الصوفية كالقادرية والنقشبندية والرفاعية. وحتى بداية القرن التاسع عشر لم يكن يوجد في العراق مذهب يعرف بالسلفي، ولا يزال السلفيون يرفضون تصنيف أنفسهم كمذهب مقابل المذاهب الأخرى، كما يرفضون إطلاق اسم “الوهابية” عليهم، ويفضلون مصطلح “الموحدون” أو “المسلمون” أو “السلفيون” بناء على العودة الى إسلام السلف الأول قبل حدوث ما يعتقدون أنه انحراف عام لدى المسلمين حصل بالاستغاثة بالأولياء وزيارة قبورهم، ولكن “السلفيين” في حقيقة الأمر يحملون فكرا متميزا ورؤية خاصة في موضوع “التوحيد” وتقسيمه الى توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وقد رفع الدعوة الى هذا المذهب الشيخ الحنبلي السلفي محمد بن عبد الوهاب في نجد في أواسط القرن الثامن عشر الميلادي، واعتمد على ما كتبه الشيخ أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية (1263- 1328) وابن القيم الجوزية (1292-1349) ، ولذلك اشتهر أيضا بالمذهب الوهابي
رغم تفضيل الوهابية استخدام مصطلح “السلفية” على نفسها ، الا ان هذا المصطلح في الحقيقة غير دقيق لأن الوهابية لا تتبع السلف تماما وانما تنتقي بعض ما يعجبها منه وتترك ما لا يعجبها، كما انها تخالف السلف في كثير من الأمور، كتكفير من يسب الصحابة مثلا، وقد كان الامام علي يرفض تكفير الخوارج الذين كانوا يكفرونه.

وقد ابتدأ انتشار “السلفية” أو “الوهابية” في العراق بشكل فردي نتيجة تأثر بعض الأشخاص بالحركة الوهابية في نجد، كالشيخ نعمان بن محمود الآلوسي (1836 -1899) وابن أخيه محمود شكري الآلوسي (1856 – 1924) الذي روج لمؤلفات ابن تيمية وابن القيم وشرح في كتابه “مسائل الجاهلية” أفكار محمد بن عبد الوهاب، والشيخ عبد الكريم الصاعقة (1867 – 1959) والشيخ محمد بهجة الأثري (1904 – 1996)

ويمكن القول ان الحركة السلفية “الوهابية” انتقدت بالدرجة الأولى الطرق الصوفية التي كانت تدعمها الدولة العثمانية، ولكنها كانت تنتقد الشيعة والتشيع أيضا. وفي حين اعتبرت “الوهابية” نفسها في وقت لاحق جزءا من أهل السنة بمعنى من المعاني (يخالف مفهوم الأحناف الماتريدية، والمعتزلة، والأشاعرة المالكية والشوافع) فان “الوهابية” أعلنت الحرب على الشيعة والتشيع، وضخمت من نقاط الخلاف التاريخية التي كانت بين الشيعة والسنة ( وهي خلافات سياسية قديمة أساسا) الى حد إخراج الشيعة من دائرة الاسلام، بالرغم من تعايش الفريقين منذ قرون طويلة.
ومع أن الشيعة شهدوا منذ نشأتهم وفي تاريخهم الطويل تطورات عديدة وضموا تيارات مختلفة معتدلة ومتطرفة، بائدة ومعاصرة، ومروا بأجواء سلبية وإيجابية، فتحالفوا مع الخلفاء العباسيين تارة وتحاربوا مع العثمانيين تارة أخرى، فان السلفيين أو بالأحرى الوهابيين الذين نظروا للشيعة بعيون ابن تيمية الذي رسم صورة نمطية مشوهة لهم وأطلق على عامتهم اسم “الرافضة” وأصدر عليهم أحكاما غوغائية وعشوائية مطلقة، وقال:”إن الرافضة أكذب طوائف أهل الأهواء ، وأعظمهم شركاً ، فلا يوجد في أهل الأهواء أكذب منهم ، ولا أبعد عن التوحيد ، حتى إنهم يخربون مساجد الله التي يذكر فيها إسمه، فيعطلونها عن الجمعة والجماعات ، ويعمرون المشاهد التي أقيمت على القبور التي نهى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عن اتخاذها”. وأضاف :”الرافضة أمة مخذولة ليس لها عقل صريح ، ولا نقل صحيح ، ولا دين مقبول ، ولا دنيا منصورة”
ابن تيمية ، اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، ص 391 و ص439

ولم يكتف بذلك وانما حاول أن يلقي بظلاله على المستقبل أيضا فقال:”إذا صار لليهود دولةٌ بـالعراق وغيره، تكون الرّافضة من أعظم أعوانهم، فهم دائماً يوالون الكفّار من المشركين واليهود والنّصارى، ويعاونونهم على قتال المسلمين ومعاداتهم”.
ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، ج 2 ، ص 208

ومع أنه كان يتنبأ بالغيب انطلاقا من أحقاد وأوهام طائفية كذبها التاريخ والواقع، الا أن “الوهابية” استلهموا أقواله وكأنها وحي منزل ونظروا الى الشيعة المعاصرين نظرة نمطية جامدة أيديولوجية تاريخية واحدة ولم يفرقوا بين الخاصة والعامة ولا بين المعتدلين والمتطرفين الغلاة، ولا بين جيل وآخر، ولا بين الفرق البائدة والمعاصرة، وأطلقوا اسم فريق منهم “الروافض” على جميع “الشيعة” واتخذوا منهم موقفا سلبيا شديدا، وبالغوا في العداء لهم أكثر من العداء لليهود والنصارى. وقد انعكس ذلك التطرف في كتابات محمود شكري الآلوسي الذي كتب عدة كتب ضد الشيعة ككتاب “السيوف المشرقة على مختصر الصواعق المحرقة” و “صب العذاب على من سب الأصحاب”. ولكن السلفية لم يكونوا جميعا ودائما على موقف واحد وانما كانوا يتفاوتون في عدائهم للشيعة والتشيع، وربما كان القيادي في حركة الاخوان المسلمين محمد أحمد الراشد (ولد 1938) أكثرهم اعتدالا. وفي الحقيقة ان الاخوان المسلمين في العراق رغم تأثرهم بالتيار السلفي وتتلمذهم على رجال مثل عبد الكريم الصاعقة، الا انهم وبسبب مشروعهم بإعادة الخلافة الاسلامية واهتمامهم بمقاومة المد الشيوعي والتيارات المعادية للاسلام، وخاصة في الأربعينات والخمسينات والستينات من القرن العشرين، فقد انتهجوا سياسة وحدوية واصلاحية وانفتحوا على الشيعة ، أو كما يقول بعض السلفيين (كعبد العزيز بن صالح المحمود): “نسوا قضية التشيع، ونشرت مجلتهم (لواء الأخوة) سنة 1959 خبرا عن لقاء تاريخي بين شيخي الاسلام السيد محسن الحكيم والعلامة أمجد الزهاوي، وكان الزهاوي يرى أن المجتمع العراقي شرع بالانحراف عن الإسلام بالكلية من قبل السنة والشيعة، لذا فإن فتح مسألة التشيع لا معنى لها في الوقت الحاضر”.
عبد العزيز بن صالح المحمود “جهود علماء العراق في الرد على الشيعة” الحلقة السابعة، موقع الراصد،

وفي خضم الأجواء الثقافية العلمانية التي سادت في العراق في أيام مد الحزب الشيوعي وحزب البعث وغيرهما من الأحزاب الليبرالية والوطنية والديموقراطية والتي كانت تضم شبانا من الشيعة والسنة، ذاب المجتمع العراقي بعضه ببعض ولم يعد يعرف المواطن العادي الشيعي أو السني الفروق النظرية التاريخية الدقيقة بين الشيعة والسنة، وحصل تزاوج كبير بين الفريقين، ولكن مع عودة الروح للتيارات الدينية الاسلامية (السنية والشيعية) في العقود الأخيرة، عاد الشعور بالتمايز والتنافس، وقامت الحركات السلفية بتعميق ذلك الشعور وتأجيج الصراع بين الطرفين.
وبعد أن كانت السلفية ظاهرة فردية في نشأتها في العراق تقتصر على بضعة تلامذة لبعض المشايخ في العقود الأولى والوسطى من القرن العشرين، تحولت الى ظاهرة منظمة وواسعة في السبعينات، وذلك في ظل ملاحقة نظام البعث للحركات الاسلامية السياسية المعارضة، الشيعية (كحزب الدعوة) والسنية (كحزب التحرير والاخوان المسلمين) ولم يلتفت النظام البعثي الى نشاط الحركات السلفية حتى عام 1979 عندما اكتشف شبكة سلفية منظمة في الموصل وبغداد والبصرة بقيادة إبراهيم المشهداني، ولكنه لم يجد لديها أي برنامج سياسي أو توجهات انقلابية ولا طموح بتكوين دولة اسلامية، فأطلق عليهم (جماعة الموحدين) لاهتمامهم بالتوحيد والعقيدة ومؤلفات محمد بن عبد الوهاب، وحكم عليهم بعقوبات سجن مخففة تتراوح بين سنة وخمس سنوات بتهمة إنشاء جمعية غير مرخصة. ولكن تلك الاعتقالات لم توقف النشاط السلفي بل انه ازداد مع بداية الحرب العراقية الايرانية (1980-1988)، التي أيدوها بقوة بحجة محاربة الفكر الشيعي وإيقاف زحف ثورة الخميني، حيث وجد صدام حسين فيهم سندا قويا في مواجهة الشيعة وايران، فأطلق لهم العنان. ولكن صدام عاد الى التضييق عليهم عندما غزا الكويت في آب 1990 فقام باعتقال السلفيين وأعدم مجموعة منهم ، كما قام بحملة إعلامية ضد السعودية والوهابية. وأطلق العنان لنائبه عزة الدوري لدعم الطرق الصوفية وخاصة النقشبندية.
وفي التسعينات تأثر السلفيون العراقيون بأفكار ونظريات عصام المقدسي، وظهرت الاختلافات فيما بينهم حول الموقف من الحكام ، فانقسموا الى سلفية مرجئة وسلفية تكفيرية، كما اختلفوا حول تكفير الشيعة وهل هم كفار أصليون أم مرتدون؟ ومن منهم غير كافر؟ وانتشر الفكر السلفي الجهادي في جميع المحافظات العراقية، خصوصا بعد قيام تنظيم القاعدة بهجوم 11 سبتمبر 2001 . عبد العزيز بن صالح المحمود “جهود علماء العراق في الرد على الشيعة” الحلقة السابعة، موقع الراصد،

ونتيجة لتأثر السلفيين العراقيين بأفكار المقدسي اتخذوا مواقف سلبية جدا من الديموقراطية فنشر أحد السلفيين وهو “أبوالفضل العراقي” بيانا حول “معالم الطائفة المنصورة في بلاد الرافدين” – منبر التوحيد والجهاد

جاء فيه:”أن الحكم والتشريع من خصائص الله وحده … وان كل من رد أمرا إلى غير حكم الله وحكم بغير ما انزل الله اتبع تشريعا حادثا لم يأذن به الله فهو كافر خارج عن ملة الإسلام متبع حكم الجاهلية”.(فقرة 5) و”أن الحاكم بغير ما أنزل الله وطائفته المبدلين للشريعة هم كفار مرتدون والخروج عليهم بالسلاح والقوة فرض عين على كل مسلم”. (فقرة 19) و” أن العلمانية على اختلاف راياتها ومسمياتها وأحزابها هي كفر بواح مخرج من الملة، فمن اعتقدها أو دعا إليها أو ناصرها أو حكم بها فهو كافر مشرك مهما تسمى بالإسلام وزعم أنه من المسلمين”. (فقرة 20) و”أن الديمقراطية فتنة العصر تكرس ألوهية المخلوق وحاكميته وترد له خاصية الحكم والتشريع من دون الله، فهي كفر أكبر مخرج من الملة فمن اعتقدها بمفهومها هذا أو دعا إليها أو ناصرها أو حكم بها فهو مرتد مهما انتسب إلى الإسلام وزعم أنه من المسلمين”. (فقرة 21) و” أن أي طائفة من الناس اجتمعوا على مبدأ غير الإسلام هي طائفة ردة وكفر كالأحزاب القومية والوطنية والشيوعية والبعثية والاشتراكية”.(فقرة 22) و”أن الجماعات الإسلامية التي تدخل الانتخابات والمجالس التشريعية هي جماعات بدعية نبرأ إلى الله من أفعالها”. (فقرة 28) و” نبرأ إلى الله من ضلالات الخبثاء أهل التجهم والإرجاء بطانة الطواغيت المرتدين وعينهم الحارسة على أمنهم وسلامتهم ونحذر منهم ومن غيهم وإفسادهم وإضلالهم”. (فقرة 30) و”نؤمن أن الجهاد في سبيل الله هو الطريق الشرعي الصحيح الذي يمكن الأمة من استئناف حياة إسلامية وقيام خلافة راشدة على منهاج النبوة”. (فقرة 35) و”أن من ظاهر المشركين على المسلمين بأي نوع من أنواع المظاهرة أنه كافر كفرا أكبر”. (فقرة 18) واتخذ أبو الفضل العراقي أيضا موقفا سلبيا من عامة الشيعة فقال:”أن الشيعة الروافض طائفة كفر وردة وهم شر الخلق تحت أديم السماء”.(فقرة23)

من مقدمة كتاب: جذور الاستبداد في الفكر السياسي الوهابي، لأحمد الكاتب

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here