كتب/ د .باسل عباس خضير
لا يمكن لأي بلد أن يزدهر ويتطور إن لم يكن هناك تعداد مهني وموضوعي ومحايد للسكان لان هذا التعداد هو الأساس الذي يمكن أن يعول عليه في دراسة وتحليل الحاضر ورسم صورة المستقبل بموجب جداول الأسبقيات والأهداف المعلنة أو المتبناة في ظل التعايش في عالم فيه منظمات تضع معايير وتقييمات للدول في بلوغ التدرج والتسلسلات في ضوء عددا محددا من المؤشرات ، وأي عمل لا يعتمد على التخطيط المعتمد على   الإحصاءات والتعداد لا يمكن أن يسمى إلا تخمينا أو تخبطا أو صياغات إنشائية مبنية على الأماني والتأملات ، كما إن العمل الذي يخلو من التخطيط الذي يحدد جداول ومواعيد التنفيذ والإمكانيات المطلوبة بشريا وماديا لابد وان تشوبه العديد من الانحرافات التي يمكن توظيفها من قبل البعض لأغراض تحقيق الفساد بأنواعه المختلفة أو للتغطية على الفشل وسوء الأداء ، فالوظائف الإدارية الأربعة ( التخطيط ، التنظيم ، التوجيه ، الرقابة ) من المستحيل أن تتكامل وتترابط من دون بيانات فعلية وتاريخية يتم الاسترشاد بها في مختلف مجالات التنفيذ ، وفي القرن الماضي كان التعداد العام للسكان في العراق يتم كسلسلة زمنية كل عشرة سنوات كالتعدادات التي جرت في الأعوام ( 1957، 1967، 1977، 1987، 1997) وقبلها بعشرات السنوات ، وبعد 2003 انقطع التعداد  تحت مبررات ومسوغات عديدة غير مقنعة للجميع منها لدواع أمنية أو عدم توفر التخصيصات المالية أو خشية إثارة قضايا سياسية رغم امتلاك العراق للجهاز المركزي للإحصاء الذي يتمتع بخبرات مناسبة ، وتمت الاستعاضة عنها بإحصاءات محدودة يقوم بها الجهاز ، ورغم الإعلان لمرات عديدة عن النية في إجراء التعداد السكاني العام والمباشرة بعمليات الحصر والترقيم واتخاذ الجهاز الإجراءات المناسبة لتنظيم استمارة التعداد وما تتضمنه من بيانات إلا إن التعداد مغيب منذ 1997 ، وقد تحول التعداد إلى ضرورة ملحة لان العديد من الخلافات أو الاختلافات التي تجري في الأروقة السياسية تعود أسبابها للافتقار إلى التعداد ، ففي كل عام تتأخر الموازنة الاتحادية لأشهر عديدة لأسباب تتعلق بتوزيع الموارد حسب عدد السكان ودرجة الفقر والمظلومية كما إن هناك  مشاكل تتعلق بتطبيق بعض مواد الدستور مثل المادة 140 ، ومن الغريب أن يتم انجاز انتخابات مجلس النواب ومجالس المحافظات التي تعتمد على السكان كمؤشر لعدد العضوية وتوزيعها الجغرافي والسكاني في حين يغيب التعداد العام للسكان ، ولو تم إحصاء تكاليف الانتخابات التي تمت منذ 2004 لحد اليوم لوجد إنها تعادل أضعاف كلف تعداد السكان لو اجري فعلا في البلاد ، ونشير هنا إلى إمكانية أجهزة الدولة في الوصول إلى أي شبر في العراق بدليل إن المعارك ضد داعش تطلبت الوصول إلى اخطر وأصعب وابعد المناطق لمحاربته وقتله أو طرده من البلاد مما يعني إمكانية إجراء التعداد العام للسكان عند توفر الإرادة الحقيقية لهذا الموضوع .
وغياب التعداد العام للسكان يضع شرائح مهمة في حالة تساؤل لحد اليأس والضبابية في تفسير الأمور فبعض المنظمات الدولية تضع العراق في ذيل التقييمات التي تجريها لأنها لاتمتلك معلومات دقيقة عن الموضوع الذي يتم ولوجه لعدم تكامل البيانات بسبب عدم إجراء التعداد وبذلك تعتمد على بيانات قديمة أو تقديرات غير رسمية أو غير دقيقة لغرض إملاء الفراغات ،  وبعض الجهات تسوق هذه النتائج للإشارة إلى تأخر العراق رغم إن درجة موثوقيتها غير مكتملة إلى الحدود المطلوبة في التقويم ووضع التسلسل أو الترتيب ويعني ذلك إن بعض التقييمات التي وضعت العراق بعد الصومال أو السودان أو غيرها ( مثلا ) لبعض المواضيع ليست دقيقة في كل الأحوال مادامت  تعتمد على إحصاءات غير مؤكدة وليست متكاملة من قبل الجهات ذات الصلة في التقويم ، ولدينا أمثلة كثيرة لا نريد الخوض في تفاصيلها بهذا المقال ( ولا يعني ذلك إن العراق مظلوما في كل التقويمات لان القصد يشير إلى المواضيع التي توضع رغم نقص أو تقادم البيانات والمعلومات ) .
ومن جانبه يقوم الجهاز المركزي للإحصاء أو غيره من الجهات بإطلاق إحصاءات وتقييمات لمواضيع غير مفهومة لكل الجمهور فيقولون ارتفعت أو انخفضت معدلات ونسب التضخم دون أن يشيروا ما يعنيه هذا المؤشر وما تدخل في طياته من تفاصيل وفقرات فالمواطن يشكك ببعض البيانات التي تقول إن نسب التضخم انخفضت 5% مقارنة بالشهر السابق في حين إن سعر كيلو الطماطة في الأسواق ارتفع من 500 إلى 750 دينار خلال الشهرين وكأن التضخم ( من وجهة نظر البعض ) معني بموضوع سلعة أو خدمة  واحدة فحسب ، وفي الوقت الذي نحيي فيه الجهود التي يبذلها الجهاز المركزي للإحصاء بوزارة التخطيط في مجال إجراء الإحصاءات والمسوحات المكتبية والميدانية بدلا أن يبقى معطلا تماما بلا أداء ، ونود الإشارة إلى إن النتائج المستخرجة ليست مؤكدة بالتمام والكمال لأنها تعتمد الأساليب الإحصائية والتقديرات واستخدام العينات للأعمام في بعض الأحيان ولهذا فان العدد الفعلي لسكان العراق غير معروف لان الأرقام التي تعلن لم تعتمد الإحصاء الشامل وأتما التقدير وينطبق الحال على جميع الحالات والظواهر الأخرى والتي هي عبارة عن أرقام يمكن الاسترشاد بها وليس التعويل عليها بنسبة 99% مثلا ، والاعتماد على أرقام البطاقة التموينية ربما أفقر حالا من أرقام الجهاز لان التلاعب بالتموينية ينطوي على تحقيق المنافع للمستفيدين كما إن إفراغ التموينية من محتواها والبيروقراطية في المراجعات خلق حالة من العزوف في التحديث حتى في إضافة المواليد الجدد أو الشطر عند الزواج وغيرها ن الحالات وقد أضيف إلى إضعافها عدم اعتمادها كوثيقة ملزمة لانجاز المعاملات وهو دليل على حجم التلاعب فيها ولجوء البعض للتنازل عنها طوعيا لعدم جدواها في الأمن الغذائي .
ومما يؤكد عدم قدرة بعض الإحصاءات التي يجريها الجهاز المركزي للإحصاء في نقل صورة تفاصيل الحياة بدقة عالية في العراق هو المسح الذي نفذه الجهاز المركزي للإحصاء والإدارة التنفيذية لإستراتيجية التخفيف من الفقر في وزارة التخطيط ، وبالتعاون مع هيأة الإحصاء في إقليم كردستان والبنك الدولي ، بعنوان مسح وتقويم الفقر في العراق لعام ٢٠١٨ ، بهدف الحصول على مؤشرات اجتماعية واقتصادية محدثة ، فقد بلغ حجم العينة ( 8640 ) أسرة في جميع محافظات العراق بواقع ( 360 ) أسرة في كل محافظة ، عدا بغداد وإقليم كردستان فقد بلغت (900) أسرة ، ولم يذكر المسح الأساس الذي اعتمد في تحديد حجم العينة عندما تم اختيار 8640 أسرة من مجموع الأسر في العراق التي يزيد عددها عن 4 ملايين فهناك تساؤل عن أسباب اختيار هذا العدد وأسس اختيار العينة وما تشكله من نسبة وهل يمكن إن تكون ممثلة ومعبرة لمجتمع البحث بموجب المعايير المعتمدة محليا وعالما  ، كما إن  هناك علامات استفهام لم تفك رموزها حول الأسس التي اعتمدت في اختيار 360 أسرة من كل محافظة رغم التباين الكبير في عدد الأسر والسكان في المحافظات ( عدا بغداد وإقليم كردستان ) ، والسبب في طرح التساؤلات العديدة هو إن المسح خرج بنتائج مهمة كان من المستحسن  أما أن ترحل إلى التعداد العام للسكان أو أن تصدر بوقت مبكر من توقيتات إعداد الموازنة لكي تعرض على مجلس الوزراء لكي تعتمد من قبل وزارتي المالية والتخطيط عند إعداد مشروع قانون الموازنة الاتحادية لعام 2019 وعرض نتائج المسح على مجلس النواب لكي يقبل باعتماد مخرجاته كمؤشرات عند مناقشة الموازنات السنوية ولحين إجراء التعداد العام للسكان ، لأنه بدون هذه الإجراءات سيتحول المسح إلى مادة إعلامية تتناقله وسائل الإعلام ويتندر بمحتوياته من يشاء من باب المدح والتباهي أو الانتقاد والذم .
ونعتقد إن من واجب الحكومة ( الجديدة ) أن تضع إجراء التعداد العام للسكان ضمن أولويات برنامجها فبقاء البلد اعتمادا على التقديرات والتكهنات والصراعات السياسية في الحصول على مغانم الإيرادات والنفقات يتقاطع مع مفاهيم الدولة ونقصد أية دولة سواء كانت متخلفة أو متقدمة ، فالتعداد ضمن بديهيات الأمور وباتت من رموز السيادة وهو ليس اختراعا غير قادرين عليه ، ولهذا التعداد فوائد لا تعد ولا تحصى وهو أساس الحكمة والمعولية في العديد من مناقشات وقرارات الوحدات التنظيمية من أصغرها إلى أعلى السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية ، ومن المخجل حقا أن يكون بلدنا بهذه المكانة من الموارد المختلفة ومنها امتلاكه لموازنة اتحادية سنوية بمبالغ تزيد عن 100 مليار دولار وهو لا يمتلك تعدادا يوفر العدالة في التوزيع والتخصيص والتنمية ، اخذين بنظر الاعتبار إن جميع الإحصاءات والمسوحات والدراسات التي تتم من جهات داخلية وخارجية لا يمكن أن تكون بديلا عن التعداد كما إن محتوياتها لا يمكن أن تقرا بالشكل الصحيح وتعطي الجدوى منها بدون وجود بيانات أساسية مستخرجة من نتائج التعداد العام للسكان ، باعتباره مسحا شاملا ينقل صورة الحاضر كأساس لتحديد الأهداف وما يتبعها من وظائف لتكون قابلة للتحقق بالفعل ، وهناك يقين كامل بان بلدنا مهيأ من النواحي كافة لإجراء مثل هذا التعداد وكل من يعرقل هذا الجهد الوطني ، فمن الواجب البحث عن غاياته ونواياه من تغييب التعداد بعد أن سكن السبات لأكثر من 20 عام .  ML 

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here