من الواضح لأي أحد أن الهدف الرئيس للحصار الذي دام 12 عاماً على قطاع غزة والحروب الثلاثة في الأعوام 2008 و 2012 و 2014 هو إبعاد سيطرة حركة حماس على قطاع غزة واستعادة السلطة الفلسطينية وأبو مازن السيطرة على القطاع مرة أخرى.
هناك أحداث تشير إلى عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة، ومن الأفضل القول بأنها تركت جدول أعمال تل أبيب والقاهرة وواشنطن بشكل مؤقت، والسبب في ذلك هو الفجوة الخطيرة بين أمريكا ومصر وإسرائيل من جهة والسلطة الفلسطينية وأبو مازن من جهة أخرى حول كيفية التعامل مع قطاع غزة.
والحقيقة هي أن نتنياهو غير مستعد لخوض حرب جديدة مع قطاع غزة لأسباب مختلفة، سواء أكانت محلية بما في ذلك انتخابات الكنيست أم الانتخابات الخارجية، فضلاً عن التركيز على الجبهة السورية وإيران، لذلك يعتبر نتنياهو إعلان حرب على غزة بمثابة مقامرة سياسية يمكن أن تكون لها نتائج سلبية، لهذا السبب يريد إلى حد ما تخفيف الضغط الاقتصادي والبشري على قطاع غزة ومنع حدوث انفجار كبير على الحدود الجنوبية، لكن هذا ليس ما يريده أبو مازن وهو الآن بصدد منع اتفاق إطلاق النار بين غزة وتل أبيب من خلال الوساطة المصرية ويسعى لفرض عقوبات جديدة على القطاع وحماس، ومن هنا قال المسؤولون الإسرائيليون بمن فيهم ليبرمان: إن أبو مازن يريدنا أن نحارب حماس، أما حول المصالحة الوطنية، فإنه يحدد أيضاً شروطاً لا تبدو منطقية، وحتى المصريون لم يقبلوا بها.
من ناحية أخرى، فإن حكومة ترامب لا تريد حرباً جديدة في غزة، نظراً لقربها من كشف النقاب عن صفقة القرن وأسباب أخرى.
كما سعت مصر لعدد من الأسباب إلى استعادة دورها الإقليمي عبر قطاع غزة من خلال إظهار دورها في السعي إلى مصالحة وطنية ووقف إطلاق النار في القطاع، وفي العام الماضي أعطت أفكاراً وخططاً للمصالحة الفلسطينية التي واجهت على الفور موافقة حماس، بينما كانت فتح دائماً تتحفظ وتتردد فيما يخص هذه المصالحة وقد تسبب نفس الموضوع في غضب القاهرة ضد رام الله ومحمود عباس، لدرجة أنه يوجد الآن نوع من التوتر الخفي بين الجانبين، ويقال إن الرئيس المصري أجرى اتصالاً منذ مدة قصيرة مع محمود عباس وتحدث معه بلهجة حادة.
الحقيقة هي أن دوافع محمود عباس غير واضحة حول هذه المواضيع، فهو غاضب جداً من الجميع دون أي مبرر.
في أعقاب رفض السلطة الفلسطينية تقديم التمويل لتصدير الكهرباء إلى غزة، قامت قطر للمرة الأولى بإرسال الوقود إلى قطاع غزة من خلال الأمم المتحدة، وأعلنت أنها ستقدم 150 مليون دولار على شكل مساعدات إنسانية فورية للقطاع.
في الماضي، قامت الدوحة عدة مرات بتقديم مساعدات مالية إلى السلطة الفلسطينية لتأمين الوقود ودعم القطاع، والذي تم إيداعه أيضاً في شركة الكهرباء الإسرائيلية، وتم تصدير الكهرباء إلى قطاع غزة لكن هذه المرة السلطة الفلسطينية لم تقم بالمسؤولية الملقاة على عاتقها.
حتى أن أبو مازن ضغط على الشركة الإسرائيلية “باز” للامتناع عن قبول الأموال القطرية، ومن ناحية أخرى تساءلت الإذاعة العبرية قبل أيام مقتبسة من مصادر حكومية إذا كان محمود عباس سينفذ تهديداته المتعلقة بإيقاف الدعم بـ 96 مليون دولار عن قطاع غزة، فإن حكومة نتنياهو ستخصم هذا المبلغ من عائدات الضرائب في السلطة الفلسطينية وترسله إلى قطاع غزة من خلال الأمم المتحدة.
في الواقع، إن ابتعاد السلطة الفلسطينية عن تحمل مسؤولياتها جاء بضوء أخضر أمريكي، فقبل بضعة أيام، كتبت صحيفة الحياة الفلسطينية نقلاً عن مصادر مطلعة أن الحكومة الأمريكية دعت الدول الداعمة للفلسطينيين إلى إرسال المساعدات لقطاع غزة مباشرة من خلال الأمم المتحدة، وكانت قطر أول دولة تقوم بذلك.
في الختام، من الضروري ذكر ثلاثة أشياء:
1. لا يبدو أن هذه الأطراف تحاول إلى الأبد الالتفاف على السلطة الفلسطينية وتقليص دورها، ربما هذه مشكلة مؤقتة، بهدف منع انفجار الوضع في هذه المرحلة، وفي الوقت الحالي فإن تعاطي السلطة الفلسطينية مع قطاع غزة بهذا الشكل وفرض عقوبات ضده ساهم في إزالتها من معادلات المنطقة، ما أدّى بطبيعة الحال إلى مزيد من الشقاق بين قطاع غزة والضفة الغربية.
2- ما نراه هذه الأيام هو مجرد تقليل حدة الحصار، بهدف منع الوضع من التوجّه نحو حرب أخرى، وهذا ما تبحث عنه حماس ونتنياهو في الظروف الحالية، وبالتالي فإن حصار قطاع غزة سيستمر ولن يتم إلغاؤه لأسباب عديدة في هذا الوقت.
3- “إن هذا التنحي من السلطة الفلسطينية من معادلات غزة لا يعني بأي حال بأن الأطراف الإسرائيلية والمصرية والأمريكية تقترب من حماس وتريد إحلالها مكان السلطة الفلسطينية.   ml 

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here