لطيف عبد سالم
لَعَلَّنا لا نبعد عن الواقع أو نبالغ إذا قُلْنَا إنَّنا اليوم أشد منا في أيِّعهدٍ آخر حاجة إلى العناية بتنظيم مدننا، وما أظننا كذلك لا نغالي إذاقلنا إنَّ عاصمتنا الحبيبة بَغْدَاد تُعَدُّ أكثر مدن البلاد حاجة إلى بذلالجهود من أجل ترسيخ أصالتها وإعادة الهيبة لها، بوصفها المدينةالتاريخية التي سبقت أغلب نظيراتها من عواصمِ بلدان المنطقة فيركوبِ موجة المعاصرة التي طرقت أسوار هذه المجتمعاتِ بنسبٍ متفاوتةعلى خلفيةِ حصول بلدانها على الاستقلال بعد أن وضعت الحربالعالمية الثانية أوزارها.
ليس خافيًا أنَّ عاصمة الخلافة الإسلامية، وحاضرة الدنيا في سالفِالزمان، كانت الأمم والبلدان تستنير بعلومها؛ لأنَّ ما عرف عنها بحسبالوثائق التاريخية هو أنَّ تمدنَها يتجددُ عبر العصور. وعلى الرغمِ منشدةِ وطأة جراحات مدينة السلام وعظمة ما تحمله أهلها من مكابدات،فإنَّ أبناءها في سعي دائم إلى إدراك ركــب المدنية الحديثة واللحاقبها، فما يزال عبقَ ماضيها يوشح حاضرها بمعالمِ الرقي والمدنيةوالإبداع؛ إذ أنَّها تتفرد عن كثيرٍ غيرها من العواصمِ والمدن بسعةِ إرثهاالحضاري والعلمي والثقافي، فضلًا عن عمقِ امتدادها التاريخي. يضاف إلى ذلك تأريخ أمسها القريب الذي يتجسد بآثارٍ وشواخصوبقايا عمران تشكل بمجموعِها وثائق مادية لو قدر لها أن تكونَ فيإحدى مدن بلدان العالم المتقدم، لكان لها شأن آخر، بالإضافة إلىإمكانيةِ توظيفها على وفقِ برامج منظمة في تعزيز موارد بناء الدخلالذي بمقدوره المساهمة بشكلٍ فاعل في تدعيمِ الاقتصاد الوطني.

لا رَيْبَ أَنَّ الدورَ والمباني والأسواق والخانات والحمامات الشعبية وغيرذلك من الشواخصِ التراثية التي جرت إقامتها بفضاءاتِ مدينة بَغْدَادفيما تعاقب من العهود القريبة، تشكل جزءاً من موروثِها الإنسانيوالحضاري والثقافي الذي ما يزال بعضه حاضراً في حياتِها العامة،إذ إن كثيرا من هذه المعالم التاريخية التي يعود تأريخ إنشائها إلىبداياتِ القرن الماضي ما تزال قائمة تواجه عاديات الزمن من دونِالحاجة إلى أعمالِ صيانة توجبها مهمة إعادة تأهيلها، إلى جانبِ دقةفعاليات إنجازها وجمال تصاميم واجهاتها التي تسحر الناظر بسببِتفوقها في كثيرٍ من الجزئياتِ الحرفية المعتمدة في أسلوبِ العمارةالمستخدمة حاليًا بإعمالِ البناء.

يمكن القول إنَّ شواخصَ العاصمة بَغْدَاد العمرانية التي تحكيللأجيال عظمة دوافع التطلع إلى النهوض والتجدد في مدينة طالماابتليت بالغزوِ والاحتلال وهي تتشبث بالحياةِ وتتطلع إلى آفاقِهاالرحبة، وقعت أسيرة الإهمال الذي اضر كثيرا ببعضها، إلى جانب ماأزيل منها لإقامةِ محال تجارية وصناعية على وفقِ الطراز المعماريالحديث السائد حاليا في البلاد، ما يعني أن استمرارَ الإهمال بتلكالمواقع سيفضي إلى تعريض المدينة من دون أدنى شك إلى فقدانِهويتها المعمارية والحضارية والثقافية.
في أمانِ الله.
ml 

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here