محمد الحسن
من دون هذه الوثيقة تكون حياة الناس عبارة عن فوضى، لذا أرتبط مفهوم العقد الإجتماعي عند هوبز ولوك وروسو، بالطبيعة الأصلية للإنسان، وبالتالي فأنّ فلسلفة العقد الإجتماعي (الدستور) قائمة على فك التشابك بين الصراعات الدينية والاجتماعية والطبقية وسائر أنواع الصراعات عبر تنظيم العلاقة بين أفراد المجتمع. وهذا هو الركن الأساسي بل هو الأرضية اللازمة لبناء أي دولة.

ومن هذا المنطلق، فأي إستهداف لتلك الوثيقة لا سيما في مبادئها الحاسمة التي تحوّل المجتمع إلى دولة، يعتبر هدم في تلك الأرضية، وهنا يبدأ تقويض النظام والدولة ودمارهما.
لقد نصّت المادة (7) من الدستور العراقي على: “يحظر كل كيان أو نهج يتبنى العنصرية أو التكفير او التطهير الطائفي أو يحرّض أو يمهد…”

المادة 200 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969، نصت ب “السجن لمدة لا تزيد عن 7 سنوات على كل من يروّج او يثير النعرات الطائفية”.
نلاحظ أنّ هذه القوانين والتشريعات تستهدف المواطن العادي الذي يثير “نعرات طائفية” وهكذا إنسان بسيط، قد لا يدرك ما تؤول إليه الأمور عند ممارسته هكذا توجّه، بينما المسؤول الذي يعرف تماماً تداعيات إثارة النعرات، سيكون فعله عن قصد وهو يعرف النتائج الكارثية لممارسته، فكيف إذا كان هذا المسؤول هو رئيس الوزراء والمسؤول عن تنفيذ الدستور؟!

إنّ الباحث عن أحداث ومصاديق تدين السيد نوري المالكي بالصعود على سلم مصنوع بواسطة التحريض الطائفي، لا يضع أي مادة أو حدث على طاولة التشريح، فالولاية الثانية مطبوعة بطابع التحريض وخلق الازمات المذهبية والعرقية، وهذا من الامور البديهية المرتبطة بتلك الحقبة. فعند قراءة خطابات ونصوص المالكي ومن جاء بعده، نقف على الفارق الشاسع بين رجل أراد إطفاء الحرائق ولو بشكل نسبي ونجح نسبياً، وأعني به العبادي، وآخر سجّر تلك الحرائق ونبش في رماد قديم وأسس جيوشاً إلكترونية فضائية تمتص أموال الدولة من أجل هدف وحيد: تصدير المالكي كقائد وحامي حمى الطائفة!..
وهذا الهدف تكمن من خلفه أحلام الاستمرار بالسلطة، فلم يكن المذهب سوى وسيلة للتحكم في الدولة ومقدراتها، وقد نجح إلى حد بعيد في تحقيق الحلم وتنفيذ الهدف لفترة كادت أن تتجاوز المعقول لولا دور المرجعية في رفض توليته مرة ثالثة.

والآن لنعرف: ماذا جنى العراق من التحريض والفتن الطائفية التي افتعلها السيد رئيس الوزراء السابق المالكي؟..
الإحصاءات لدينا غير مكتملة، فسقوط خمسة مدن عراقية بيد داعش وما تبعه من إستنزاف ثروات البلد ودماء شبابه وشيوخه، وضياع موازنة كاملة (120) مليار دولار، كلها هذه الأمور نتائج سطحية رغم كارثيتها، فالكارثة الأعظم للنهج التحريضي الذي انتهجه المالكي هي تمزِّق الدولة وتحوّل مشاكلها إلى جزء عضوي ثابت ومستحكم فيها، وهذا ما ستقدمه للأجيال نظرية نوري المالكي في السلطة!

عودة إلى البداية.. الدستور صريح بحبس المحرضين والمروّجين للنعرات الطائفية والعرقية، وبالتالي هو يطرد من يمارس هذه الجريمة من مزاولة العمل السياسي، وهنا نكتشف سر غياب تصحيح المسار، فطالما بقي المالكي طليقاً لم تمتد له يد العدالة القانونية وسلطة الدستور، فلن يتحقق الإصلاح المطلوب.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here