الأزمة السعودية الكندية هي ليست كما يقال سحابة صيف عابرة تنتهي بعد فترة من الزمن، وإنما هي واحدة من أسرع وأخطر الأزمات الدبلوماسية في القرن الجديد، سجال بدأ بعد تغريدة كندية طالبت فيها السعودية باحترام حقوق الإنسان وإطلاق سراح جميع النشطاء الحقوقيين، تغريدة اعتبرتها السعودية تدخلاً في الشؤون الداخلية، وانتقل السجال فيما بعد إلى السفارات، ثم آلت إلى ترحيل المرضى من المستشفيات، وتعليق رحلات الخطوط الجوية، وسحب الاستثمار في الأصول والسندات الكندية، ومطالبة نحو 15 ألف طالب في كندا بالمغادرة، واستدعاء نحو 800 طبيب سعودي يتدربون في كندا، وكل ذلك لمجرد نشر وزارة الخارجية الكندية تغريدة تنتقد اعتقال الناشطين بالسعودية، ولا بوادر في الأفق لهدوء العاصفة.
سجال لم يكن بالحسبان، حيث اعتبره الكثيرون للحظات الأولى مزحة فكاهية، إلا أن الأمر تطوّر بسرعة فائقة وانقطعت العلاقات بشكل نهائي بين الطرفين، وبسبب تعنّت ابن سلمان وتهوّره وقع آلاف الطلاب السعوديين المقيمين في كندا ضحية الأزمة مع أوتوا حيث قالت الكونفدرالية الكندية إن آلاف الطلبة السعوديين يعانون مأساة حقيقية بعد قرار بلادهم إخراجهم من كندا فجأة نتيجة الأزمة القائمة، كما أن القرار السعودي سيؤدّي بهم إلى خسارة أفضل بيئة تقدّم جودة تعليم عالية على مستوى العالم، مقابل مستويات أقل بكثير للتعليم في الجامعات السعودية، حسب التصنيفات الدوليّة، حيث حصلت كندا على المرتبة السابعة عالمياً في مستوى جودة التعليم، بينما حصلت السعودية على المركز الـ 52 عالمياً من بين 140 دولة، وفق تصنيف البنك الدولي في تقريره المتعلّق بجودة التعليم للعام 2018.
من معاناة الطلاب السعوديين في كندا
ونقلت تقارير إعلامية معاناة الطلاب السعوديين في كندا، حيث بدأ عدد كبير من الطلاب ببيع ما يملكونه من أثاث وأجهزة إلكترونية، بل سيارات وذلك من أمام مسجد في أوتوا، حيث قال إمام المسجد عبد الله يسري “بعضهم لم يصل إلا قبل أسبوع، وأصبح يستعد للرحيل، وبعضهم كان في السعودية لقضاء العطلة الصيفية وعادوا لبيع أشياءهم الشخصية والسفر من جديد”.
معاناة الطلبة نقلها فرحان يوسف، نائب رئيس العمليات والتمويل باتحاد طلاب جامعة “ليك هيد” الكندية، حيث قال في مداخلة أجراها مع راديو CBC الإخباري الكندي: “إن الصدمة والتوتر سادا شعور جميع الطلاب والجامعة على حدّ سواء، وخاصة الطلاب السعوديين الذين باتوا مجبرين الآن على ترك كل شيء بمن فيهم أصدقاؤهم وزملاؤهم وأيضاً وظائفهم وسياراتهم وجميع ممتلكاتهم الشخصية، والرحيل عن دولة كندا، وذلك في الوقت الذي يتواجد فيه بعض الطلاب الذين يحضرون درجات الماجستير والدكتوراة لما يقرب من ست أو سبع سنوات، وأيضاً طلاب سعوديون آخرون في عامهم الدراسي الأخير فقط بالجامعة، مؤكداً أنه سيحاول تقديم كل ما يملكه لمساعدة أصدقائه السعوديين ولكنه يشعر بالعجز عما يمكن تقديمه إليهم في ظل تلك المحنة التي يمرّون بها، حيث سيضطرون إلى خسارة عام دراسي كامل بانتقالهم إلى دولة أخرى إثر إلزامهم بإنهاء كل المعاملات الورقية وتحويل أرصدة المنح الدراسية واعتمادها، والبعض أيضاً سوف يضطر إلى إعادة الدراسة من البداية ما يشكّل تهديداً لمستقبلهم، ويعد أمراً قاسياً عليهم حيث تم قلب حياتهم بالكامل إثر ليلة وضحاها”.
وقال أحد الطلاب السعوديين الذي يدرس في كندا منذ سنتين وهو في سنته الدراسية الثالثة بجامعة ليك هيد، أنه في بادئ الأمر حينما سمع الأخبار ظن أنها مجرد مزحة وليست جادة، ولكنه فضّل أن ينزوي بنفسه حيث يشعر بالصدمة جراء ما يحدث.
بدوره علق الكاتب محمد الحفيظي مهاجماً تصريحات وزير التعليم قائلاً له: “تصريحاتك أيها الوزير مستفزة وعدد كبير من أبنائنا المبتعثين أمضوا سنين متواصلة في دراستهم ولم يبق إلا شهور معدودة لإنهاء بعثتهم، ومعنى ذلك أن من قضى سنتين أو ثلاث هناك سيعود من نقطة الصفر ويكون ما درسه بلا فائدة لأن بعثته انقطعت، أنت لا تعي المأساة في نفوس المبتعثين وقلقهم”.
وسخر الكثير من الطلاب السعوديين من إعلان مدير جامعة الحدود الشمالية، سعيد آل عمر، قبول أي طالب أو طالبة في المرحلة الجامعية عائداً من كندا، مع استثنائهم من شروط القبول وكلٌ بحسب تخصصه المبتعث له، لكون الجامعة من أضعف الجامعات في السعودية وليس لها ترتيب عالمي متقدم بخلاف معظم الجامعات الكندية، حيث قالت إحدى المغردات مستهجنة: “أعوذ بالله من سوء العاقبة… أروح أدرس بكندا بعدين يرجعوني أدرس بجامعة عرعر، وجامعة الإمام! طيب على الأقل حولوهم لجامعات معتمدة مو جامعات أغبياء ويأخذون +A بكل بساطة”.
رد السيئة بالحسنة
في المقابل أدركت كندا تهوّر ابن سلمان سريعاً وعمدت إلى سلسلة من الإجراءات لحماية الطلاب من سياسات بن سلمان المتسرعة، وردت على السيئة السعودية بحسنة منها، حيث قررت اوتاوا منح حق الإقامة للطلبة السعوديين الراغبين في البقاء، دون شرط طلب اللجوء، وبهذا القرار لن يكون ضرورياً بعد اليوم أمام الطلاب السعوديين طلب حق اللجوء من أجل البقاء ومواصلة الدراسة، وإن بإمكان الطالب السعودي الراغب في البقاء لإكمال دراسته أن يتقدم بالطلب من خلال نظام الدخول السريع للموقع الحكومي المخصص لذلك.
ويقول محللون غربيون إن ابن سلمان أراد من هذه الخطوة أن يوصل رسالة للدول الغربية التي تجرؤ على انتقاد سجله في مجال حقوق الإنسان بأنها ستفقد مليارات الدولارات من الصفقات التجارية، حيث لم يتردد في إرسال رسالة شديدة اللهجة يرفض فيها أي انتقاد للتدخل في الشؤون الداخلية.
ختاماً، هناك ما لا يقل عن 15000 ألف طالب جامعي سعودي في المؤسسات التعليمية الكندية، جميعهم يعيشون اليوم حالة من الذعر، خاصة أن بلادهم ماضية بإجراءات نقلهم إلى السعودية، غير آبهة بمجهوداتهم طوال السنوات الماضية، وعوضاً عن إبعادهم عن الصراعات السياسية بين البلدين، قامت بزجّهم في الوسط وتحاول إسكاتهم اليوم بـ 2000 دولار لكل مبتعث، من جهة أخرى قد يكلف هذا الاجراء ابن سلمان الكثير، وقد تتمدد نتائجه إلى أماكن لا تحمد عقباها، وهذا لن يكون في مصلحة الأمير الشاب لكونه يبحث عن غطاء دولي في حربه على اليمن وانتهاكه لحقوق الإنسان هناك، وقد تذهب كندا في عنادها إلى أبعد من ذلك وقد تشحن الرأي العام العالمي ضد ابن سلمان، وهذا آخر ما كان ينتظره ولي العهد.  ml

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here