على ما يبدو ان تركيا لا تريد تحت اي ظرف أن تصبح “بيدقاً” بيد الولايات المتحدة الأمريكية، ومحاولات واشنطن المستدامة لحرف السياسة التركية على هواها توضح سبب قلق أنقرة من التدخلات الأمريكية، ونظرا لعدم انصياع أردوغان للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، نجد اليوم الخلافات بينهما بدأت تتفاقم على عدة مستويات، وصلت حاليا إلى عتبة الاقتصاد التركي وبدأت الليرة التركية تشهد هبوطاً ملحوظا منذ أكثر من شهر وحتى الآن، فهل يستسلم أردوغان أم يتفهم ترامب طبيعة تركيا ومصالحها الاقليمية وسياستها بهذا الخصوص، ويتراجع عن مضايقته وعقوباته الاقتصادية لها؟!.
الانقلاب الفاشل
بداية الحساسية مع واشنطن تعود إلى صيف العام 2016 عندما بدأت محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، لتخرج عن هذه المحاولة مجموعة من التداعيات لم يكن اسم واشنطن بمعزل عنها، فقد ساور أنقرة بعض الشكوك حول ما إذا كانت واشنطن قد شاركت في هذا الانقلاب عبر قاعدة إنجرليك، وما أثار قلق تركيا أكثر أن أمريكا رفضت تسليم فتح الله غولن المتهم الأول بالمسؤولية عن الانقلاب الفاشل.
يضاف إلى ذلك تصريحات المسؤولين الأمريكيين والتي أزعجت أنقرة واعتبرتها تدخلا في شؤونها الداخلية، فبعد فشل الانقلاب في تركيا، صدر عن قائد القيادة المركزية الأمريكية، الجنرال جوزيف فوتيل، مجموعة من التعليقات حول إبعاد عدد من ضباط الجيش في تركيا عن مهامهم على ضوء التحقيقات التي تجريها النيابات العامة في تركيا في المحاولة الانقلابية الفاشلة، ليرد على ذلك الرئيس التركي بالقول :” إن “تطهير قواتنا من الانقلابيين أزعج الجيش والاستخبارات الأمريكية، وأضاف أردوغان: “ينبري أحد الجنرالات، أو الأميرالات في أمريكا، وبالتزامن مع ما يجري (في تركيا) ليقول: “شخصيات من مستويات عليا في القيادة كنّا نتواصل معهم قد باتوا خلف قضبان السجون”، على الإنسان أن يخجل قليلاً، هل أنت مخوَّلٌ بالخوض في هذه الأمور واتخاذ قرارات في هذا الصدد؟ من أنت؟ عليك قبل كل شيء أن تعرف حدودك وتعرف نفسك”.
واتهم أردوغان حينها الجنرال الأمريكي بالاصطفاف إلى جانب الانقلابيين، مذكرا اياه بأن متزعم الانقلاب مقيم في بلدك، ويتلقى الدعم منكم.
بقيت هذه الحساسية بين واشنطن وأنقرة حاضرة حتى وقتنا هذا، وقد ظهر ذلك في مسارعة أردوغان للدفاع عن عن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بعد عملية الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها، والبعض تساءل عن ردّ الفعل التركي السريع تجاه عملية الاغتيال الفاشلة. بعض الخبراء وجد في ردّ فعل أردوغان انعكاساً لموقفه من واشنطن إزاء الانقلاب العسكري الفاشل قبل عامين.
الناتو
يربط تركيا وأمريكا علاقات قوية على عدة أصعدة لاسيما العسكرية منها، اذ تشترك انقرة مع واشنطن في حلف الناتو، ومؤخرا بدأ اردوغان يحاول أن يغرد خارج سرب الناتو ويتجه إلى نحو الانضمام الى دول البريكس، وهذا الأمر سيغضب واشنطن كثيرا، فهي لا تريد لتركيا أن تخرج من حلفها ولكن تبحث عن منعها من تنويع مصادرها من المشتريات العسكرية، وقذ برز هذا الكلام حين اتجهت أنقرة لعقد صفقة مع روسيا لشراء صواريخ “أس 400 ” بعد ان رفضت أمريكا بيع تركيا صواريخ “باتريوت”، ما أغضب واشنطن من جديد ليصدر الكونغرس إثر ذلك قراراً يمنع توريد طائرات إف35 إلى أنقرة رغم أنها عضوة في ائتلاف تصنيع المقاتلة الأمريكية.
وفي هذا الاطار يرى الكاتب والأكاديمي الأمريكي جيمس بتراس، إن مشروع قانون الدفاع الأمريكي الجديد يظهر أن واشنطن تريد السيطرة على تركيا واستقلالها المتنامي وسياستها في السعي إلى علاقات أفضل مع إيران وروسيا وتجمّع بريكس، ويرى أن هذا سبب آخر يجعل الولايات المتحدة غاضبة وتهدد تركيا بسياسة عدائية إذا قامت بتنويع مصادرها من المشتريات العسكرية.
مشاريع واشنطن في المنطقة
لا تريد تركيا أن تكون جزءا من مخططات واشنطن في المنطة لكونها تتعارض مع أنقرة في أغلبها، على سبيل موضوع الأكراد، فواشنطن التي ترى فيهم حلفاء جيدين يخدمونها في تلبية مصالحها ترى فيهم أنقرة تهديدا لأمنها القومي، وبينما تحاربهم الأخيرة نجد واشنطن تمدهم بكافة أنواع الدعم، وبالنسبة لتركيا هذا الملف خط أحمر لا يمكن النقاش فيه، ورأينا جميعا كيف اخترقت القوات التركية الحدود السورية لابعاد خطر الأكراد عن حدودها.
هناك ايضا موضوع “صفقة القرن” والذي يقود غلى تصفية القضية الفلسطينية وهذا ما لاتريده تركيا، التي تجمعها بالفلسطينيين روابط قوية، وتتبنى انقرة الدفاع عنهم في المحافل الدولية، وقد سارعت إلى عقد اجتماع لدول التعاون الاسلامي بعد عملية نقل السفارة الأمريكية الى القدس.
يضاف إلى هذين الملفين، “موضوع ايران” ومحاولة واشنطن المستمرة لحشد الدول الاقليمية برمتها لحصار ايران وارضاخها وهذا ما لن تفعله تركيا التي تربطها بايران علاقات استراتيجية على جميع المستويات لاسيما الاقتصادية منها، وبالتالي من الصعب جدا جر أنقرة إلى مستنقع معاداة ايران.
في الختام؛ أمريكا لن تقدم على خطوات علنية لتغيير النظام في تركيا بعد تجربة الانقلاب العسكري الفاشل، وبالتالي تريد الضغط على أردوغان لاسقاطه شعبياً، كون الخط الأول سيقضي على المصالح بين البلدين.
في الصورة العامة هناك حاجة كل طرف للآخر، لكن التقارب التركي مع روسيا وايران دفع بالرئيس ترامب لاتخاذ هذه السياسة العدائية تجاه أنقرة. ml 
المشاركة

اترك تعليق