منذ نهاية حرب تموز عام 2006 وصدور القرار 1701 عن مجلس الأمن، و”إسرائيل” لاتزال تحاول اختراق لبنان والعبث في حدوده وحرف مهام “اليونيفيل” هناك عن مسارها، ولكون كيان الاحتلال أعلن إفلاسه في مواجهة “حزب الله” عبر الدخول في حرب مباشرة معه كان لا بدّ من البحث عن طريقة غير مباشرة تحدّ من قوة “حزب الله” وتعاظمها في لبنان، ولم يكن أمام الكيان الإسرائيلي سوى الاستعانة بأمريكا لإقناع بقية الدول الأوروبية بإدخال تعديلات على مهمات “اليونيفيل” تمكّنه من تلبية مطالب “إسرائيل” وتسمح له بمزيد من الصلاحيات داخل الحدود اللبنانية.
اليوم تلهث واشنطن لجعل مناسبة التجديد لقوات الطوارئ الدولية (اليونيفيل) في نهاية هذا الشهر، “مناسبة غير روتينية”، كما هي العادة منذ وصول طلائع هذه القوات إلى لبنان عام 1978، غداة الاجتياح الإسرائيلي الأول للجنوب، حيث يعمل على هذه الخطة حالياً مستشار الأمن القومي الأمريكي في البيت الأبيض جون بولتون، الذي يجري مشاورات مع عدد من الدبلوماسيين والأمنيين الأمريكيين، بالتنسيق مع بعض الدوائر اللصيقة به في نيويورك، بحسب ما كشفت مصادر مطلعة لصحيفة “الأخبار” اللبنانية.
كيف بدأت القصة
على قوات “اليونيفيل” القيام بالمهام الملقاة على عاتقها وتضع حدّاً لانتهاكات “حزب الله” لضمان استتباب الهدوء في جنوب لبنان وألّا تتجاهل التسلّح الخطير لحزب الله في المنطقة”، هكذا بدأ مندوب “إسرائيل” الدائم لدى الأمم المتحدة داني دانون، تصريحاته التي دعا فيها مجلس الأمن الدولي إلى إسناد صلاحيات أوسع لقوات حفظ السلام المرابطة جنوب لبنان “اليونيفيل” لتكون قادرة على التعامل مع ما أسماها “التهديدات التي يشكلها حزب الله”.
وكُرمة لعيون “إسرائيل” قامت المندوبة الأمريكية لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي، بعد ذلك بزيارة إلى الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة، في محاولة منها لتغيير مهام اليونيفيل ولكنها فشلت في ذلك، لتعود بعد هذا وتنتقد آلية عمل اليونيفيل جنوب لبنان موجهةً نقداً لاذعاً لقائد “اليونيفيل” السابق الميجر جنرال مايكل بيري قائلة إنه “عاجز عن فهم نشاطات حزب الله في جنوب لبنان”، مضيفة إن” بيري يقول لا توجد أسلحة لدى “حزب الله” ما يدل على عدم إدراكه لما يجري حوله”.
أمريكا تحاول وأوروبا ترفض
ورغم الخذلان المتكرر الذي تعرّضت له كلٌّ من “أمريكا وإسرائيل” إلا أن هذا لا يعني أنهما استسلمتا للقانون الدولي بل تريدان تغيير مهمة “اليونيفيل” مهما كلف الثمن، وحالياً يعمل جون بولتون على جسّ نبض القوى الدولية الأخرى المشاركة في “اليونيفيل” أبرزها فرنسا بوصفها أحد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، من جهة، ولكونها وحدها من بين الدول الخمس تشارك بقواتها ضمن “اليونيفيل” في الجنوب اللبناني، من جهة أخرى.
المعارضة الفرنسية للمشروع الأمريكي – الإسرائيلي الجديد في توسيع مهام “اليونيفيل” ونطاق العمل على كل الحدود البرية والبحرية والجوية، وحق مصادرة السلاح والاعتقال إلخ، لا تأتي من باب الحرص على لبنان أو على اعتباره يخصّ أمن “إسرائيل”، بل ما تسعى إليه فرنسا يتمحور حول أمنها القومي وعدم تعريض جنودها لأي مكروه، خاصةً وأن فرنسا تملك عدداً كبيراً من الضباط والجنود يمارسون مهامهم جنوب لبنان “1200 جندي”، ولذلك جاء الرد الفرنسي برفض أي محاولة لتعديل مهمات اليونيفيل، من زاوية حرصهم على أمن جنودهم في الجنوب.
ولم تتوقف فرنسا عند هذا الحدّ بل أطلعت الحكومة اللبنانية على أجواء المداولات الحالية بين واشنطن ونيويورك، وبالتنسيق المباشر مع تل أبيب، وبحسب “الأخبار” فإن الفرنسيين تحدثوا عن تلقيهم ما أسموها “إشارات مقلقة” من الجانب الأمريكي، هذه “الإشارات” تتمثل بمحاولة إدخال تعديلات جوهرية على قرار التمديد للقوات الدولية في الحادي والثلاثين من آب المقبل في مجلس الأمن الدولي، على أن تشمل مهمات قوات “اليونيفيل” ونطاق عملياتها (الحديث مجدداً عن الحدود الشرقية بين لبنان وسوريا)، ومنح هذه القوات “إمكانية التدخل والردع والمحاسبة”، وذلك تحت طائلة اتخاذ تدابير في حال رفض هذه التعديلات، بينها خفض المساهمة الأمريكية في تمويل قوات حفظ السلام في جميع أنحاء العالم (جرى خفضها أصلاً في السنوات الأخيرة)، وبينها قوات “اليونيفيل” في الجنوب اللبناني.
الفرنسيون يقولون إن بولتون “مستعد لتحطيم كل شيء”، وهو يتحرّك حتى الآن في مسرح دبلوماسي تنتفي فيه أي حركة دبلوماسية لبنانية وقائية، لذلك ألحّ الفرنسيون على الجانب اللبناني التسريع بولادة الحكومة الجديدة، سواء من زاوية حرصهم على قواتهم العاملة ضمن “اليونيفيل”، أم من زاوية الحرص المبالغ فيه أيضاً على نتائج “باريس – 4″، وذلك في مواجهة حفلة الجنون الأمريكي المتجددة، وحذّر الفرنسيون الجانب اللبناني من أن أي تلكؤ في تحمّل المسؤولية قد يفضي إلى إدخال تعديلات على مهمات “اليونيفيل”.
الرفض الفرنسي للانخراط في هذا المخطط الأمريكي – الإسرائيلي رافقه دعم من قبل دول أوروبية أخرى كألمانيا وإسبانيا والسويد ودول أخرى تشارك في القوات الدولية في الجنوب.
في واقع الأمر هناك سعي إسرائيلي واضح لتوتير الأجواء دون إيصالها إلى مرحلة الحرب بغية إقناع الجانب الأمريكي بتغيير معادلة الجنوب اللبناني، عبر اليونيفيل التي فشلت واشنطن في إقحامها بمواجهة مباشرة مع حزب الله بعد زيارة المندوبة الأمريكية في الأمم المتحدة نيكي هايلي. lm 
المشاركة

اترك تعليق