كنوز ميديا –  تَنقُل الصَّالونات السِّياسيّة حديث مَشهَدين مُتناقِضين تماماً في العربيّة السعوديّة، لكُلٍّ عُنوانهما، وزمانهما، بل وحتى من يقودهما، الأوّل تصدّر الشاشات والمنابر الإعلاميّة، وباتت إسرائيل فيه أقرب من حبل الوريد للبعض في المملكة أمثال الجنرال أنور عشقي ومن سار على نهجه، وإن كان في هذا المشهد بعض الصّالح العام للشعب الفلسطيني وقضيّته كما حاول قادة هذا المشهد الترويج، فكلّما اقتربت زعيمة “العالم السُّنّي” من “دولة الاحتلال”، استطاعت استرجاع الحُقوق المهدورة، وهي نظريّة وصل الأمر بها إلى دعوة أصحابها قائد المشهد الأوّل “افتراضيّاً” كما يبني أصحاب الفرضيّة الأمير الشاب محمد بن سلمان إلى زيارة إسرائيل، وإلقاء خطاب السلام على طريقة الرئيس المِصري الأسبق أنور السادات التي يصفها مُنتقدوه بالانبطاحيّة في الكنيست الإسرائيلي، لكن الأمير بن سلمان فيما يبدو لم يأخذ هذه الدعوات على محمل الجد حتى الآن على الأقل، أو لم يَصدُر عنه تصريحات نافِية في ذلك الشأن.
تتنوّع طُرق الوصول إلى إسرائيل عند أصحاب الدَّعوات التطبيعيّة، فالمنابر الإعلاميّة لم تترك مساحةً سُمِح بها إلا وعبّروا من خلالها عن حاجة المرحلة إلى هذا التطبيع، الاستناد في هذا ربّما كما يعتقد هؤلاء إلى تصريحات الأمير بن سلمان، والتي رأى في مقابلة أن للإسرائيليين حق العيش بسلام على أراضيهم، كما الفلسطينيين وهي تصريحاتٌ غامِضةٌ لم يفهم البعض مغزاها الحقيقيّ، وربّما فسّرها البعض الآخر حسب مدى قُربه أو بُعده من فكرة التقارب مع إسرائيل، وقد تدخل في مدى سعي بن سلمان لتحقيق السَّلام للفِلسطينيين وحرصه عليهم على وجه التحديد.
قسّمت السعوديّة، أو قائد مشهدها الأوّل في التطبيع، حملات التطبيع عبر عدّة وسائل، فأوعزت أوّلاً لمسؤوليها “السابقين” كالجنرال عشقي ومدير الاستخبارات الأسبق تركي الفيصل الحديث عن التطبيع، ومآلاته، وفوائده، ثم صمتت عنهم أو وضعت تصريحاتهم تحت بند المسؤوليّة الشخصيّة فهؤلاء لا يُمثٍّلون السلطة الرسميّة اليوم، لكن في السعوديّة يُؤكِّد صحافيّون سعوديّون لـ”رأي اليوم” أن لا صوت يعلو فوق صوت التعليمات، ولا يُمكن للاجتهاد أن يَجِد له مكاناً في وسط زحام سيّارات اللون الواحد، وهذا إنّما قد يُعبِّر في لحظته عن المواقف والتوجّهات الرسميّة.
ينتقل المشهد التطبيعيّ من وسائل إعلامٍ غربيّةٍ وناطِقة بالعربيّة وحتى عربيّة أمثال قناة “العربيّة” التابعة للسِّياسة السعوديّة، فتتصدّر مقالات كُتّاب يدعون التطبيع في صُحفٍ محليّة، الاجتهاد هُنا أيضاً ممنوع، ولا يُمكن لأيِّ مقالٍ أن يرى النُّور، والعاملون في الصُّحف السعوديّة السابقين ككاتب هذه السُّطور، يُدركون جيّداً كيف هي حالة المقالات السّياسيّة، والظُّروف التي تمر بها، وتلك التي تتصدَّر الصفحة الأولى تحديداً، فعليها المُرور على لجان التنقيح، والتمحيص، ثم أخذ المُوافقة الداخليّة من رؤوس الصحيفة الفُلانيّة، لتمر بعدها على الغرفة الخارجيّة والمعروفة باسم “جهات عُليا”، ومن هُناك يُتاح لها الوصول بالتأكيد إلى غرفة التحرير ومن ثم قسم الإخراج، وإلى المطبعة، وعُيون “القُرّاء الأعزّاء” في اليوم التالي، والسعوديّة بالأساس حلّت تقريباً في مُؤخِّرة الدول على مقياس مُؤشِّر حُريّة الصحافة والإعلام، بل وتتنافس عالميّاً في أعداد سُجون مُعتقلي الرأي، مُقارنةً بأعداد المُجرمين، وأصحاب السَّوابق في الدول الأُخرى.
الهُجوم التطبيعي الذي من المُفترض أن يوصل أصحاب المشهد الأوّل إلى إسرائيل، هو هجومٌ ذات طابعٍ عدائيّ، فيستعرّ بالفعل ليس على مُحتَل الأرض، بل على سُكّان الأرض الشعب الفلسطيني، ويملأ الغُبار الساحات، ويختلط حابل الحق بنابل الباطل، وفجأة أصبح الشعب المظلوم، ظالماً، بل وبائعاً لأرضه، قاعدة العمليّات في العاصمة الرياض، والجيوش جرّارة إلكترونيّة، مُغرّدون، “يوتيوبرز″، مدونين، كل هؤلاء على صوت رجلٍ واحد، وكُلٌّ على طريقته: “الفلسطيني خوّان، باع أرضه”، “لن نساعدكم بعد اليوم”، “ماذا جاءنا غير الخيانة منكم؟”، وغيرها من عبارات تحميل الجميل للشعب الفلسطيني على المُساعدات السعوديّة التي تذهب في غالبها للسلطة الفِلسطينيّة.
كانت الأُمور تسير بالاتّجاه الصحيح، بل ويعتقد جمهور مشهد التطبيع الأوّل أنّ الأمور على ما يُرام، الجميع مُتقبٍّلٌ للمرحلة المُقبلة، ولم يبق إلا ساعة إعلان الصِّفر، وتُصبح العلاقات مع إسرائيل “علنيّةً ورسميّةً”، ويبدأ عصر الانفتاح، تحت عُنوان تقبّل الآخر، والتخلِّي عن عباءة الإسلام الوهابي المُتطرِّف، والتواصل مع كل أهل الكتاب، يهوداً كانوا أو مسيحيين (أمريكا وإسرائيل)، فلا كافر فيهم بعد اليوم، والفتوى بحكم راعي الافتاء وكبير العُلماء، وربّما تحت مسؤوليّته الكاملة مُفتي المملكة.
بدأ العد العكسيّ لكن فجأةً، ضَربةٌ مُوجعةٌ سدَّدها أوّلاً أصحاب الأرض في قطاع غزّة، حين أقدموا على حرق صورة وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أمام عُيون شاشات التّلفزة، ليس من ثأرٍ بين هؤلاء أهل القِطاع المُحاصر، وبين القيادة السعوديّة، الثأر هُنا وطنيٌّ بامتياز، والوطن المُحتل نادى ضمائرهم فقط، وفي ذات التوقيت يعترف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعاصمة بلادهم القدس عاصِمَةً للمُحتَل، المُباركة السعوديّة فيما بدا للجميع كانت جاهزةً، والموقف الباهت وردها على هذا الاعتراف كان باهتاً دون توقّعات الآملين بدورها الكبير، وأقل من المُتوقّع، السعوديّة في عين الاتِّهام الفِلسطينيّ والعربيّ الشعبي إذاً.
هذه ليست المرّة الأولى التي تُحرَق فيها صورة الأمير بن سلمان، فقد فعلها من قبلهم الأشقاء لفلسطين في اليمن، سواءً تَضامُناً معهم في قضيّتهم، وعاصمتهم، أو تنديداً بالعُدوان الحازم الذي يقوده ذات الأمير السعودي، لينتقل مشهد الاستياء بعد ذلك إلى بعض العواصم العربيّة الوطنيّة الأخرى، الأمير الشاب على قائمة “المغضوب عليهم”، بل ووالده العاهل السعودي جنباً إلى جنب مع صورة الرئيس دونالد ترامب، يتقاسمان الوجه، في مضارب العرب الغنائية والفنيّة والرياضيّة تنديداً بمواققهم الباهتة من القدس، ليس أوّلها الصورة الشهيرة في الجزائر في الملعب للملك سلمان، وليس آخرها أغنية “سليمان العصر” الذي قصد صاحبها الفنان لطفي بوشناق بها ترامب.
بدأت تُصاب سُمعة العربيّة السعوديّة رويداً رويداً بالعَطَب التدريجيّ العربيّ، لتفوح مُجدًّداً رائحة صفقة القرن، والتخلِّي عن فلسطين، العناوين العريضة للوهلة الأولى تقول أنّ الرائحة قادمة من الولايات المتحدة الأمريكيّة، لكن المقادير الأخيرة يبدو أنها أُعدت، بل وقدِّمت للرئيس الفلسطيني على نارٍ مُشتعلة، فإمّا القبول والمال، وإمّا الاعتزال، اسم الأمير بن سلمان يتردَّد مُجدَّداً، فهو صاحب العرض لإتمام الصفقة التي حمل عُنوانها الأبرز العريض التخلّي عن عاصمة فلسطين، واستبدالها ببلدة “أبو ديس″، لا تأكيد ولا نفي رسميّ سعوديّ، وهو سيدفع أي بن سلمان كما يتردَّد فيما يبدو جميع تكاليف الصفقة كاملة، وصهر ترامب جاريد كوشنر على الطرف المُقابل مع الأمير.
لم يبتلع أي أحد فيما يبدو سُعوديّاً، وعربيّاً، خطوات السعوديّة التطبيعيّة، ودخلت بلاد الحرمين في نفق التشكيك، والاستياء، منصّات التواصل الاجتماعيّة الأكثر تعبيراً عن حالة الغضب والسخط، فالكُل هُناك يُدرك تماماً أو على يقين أن خادمة الحرمين، تخلّت عن قبلة المسلمين الأولى، وأعلنت صراحةً على لسان قيادتها الشابّة أن فلسطين في ذيل اهتماماتها صراحةً.
يُغلَق سِتار المشهد الأوّل على الجمهور دون أي مُقدِّمات، يعود الأمير بن سلمان إلى صُفوف المُتفرِّجين فجأةً، أدرك العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز قائد المشهد الثاني كما تنقل أحاديث المجالس السِّياسيّة عن وجود المشهدين حقيقة تَراجُع مكانة بلاده، وسُمعتها عربيّاً، يعود ليَستلِم ملف القِيادة، ويتردَّد أو تَنقُل وكالات أنباء عالميّة أنّ الرجل ممسكُ بزمام أُمور الملف الفلسطيني، وهو وحده من يُقرِّر فيه، لا بل سيقبل ما يقبله الفلسطينيون، ويرفض ما يرفضونه.
على هامِش عودة السيطرة الملكيّة، تنقلب المعايير التطبيعيّة في المملكة، وتسكت أصوات التهليل لها، بل وتعود إسرائيل إلى مكانتها كعدو، ثم وللمُفارقة ينسحب طالب سعودي في محفل أولمبي علمي للكيمياء من جانب العلم الإسرائيلي، حامِلاً علم بلاده بعيداً، وللمُفارقة العفويّة الثانية بعدها ينسحب فريق كرة الريشة السعودي من المُنافسات في أوكرانيا، ويرفض مُصافحة الفريق الإسرائيلي، بعد أن جمعه اللعب لسُوء الحظ معه، ويجدر الإشارة أنّ السعوديّة كادت أن تسمح لفريق الشطرنج الإسرائيلي، المُشاركة في البُطولة على أراضيها، وهو جدل احتفت فيه إسرائيل لمُجرّد ترحيب البعض هُناك بمُشاركة فريقها شأنه شأن أي فريق دولي، يعترف العالم بوجوده، ودولته المُحتلّة.
هلّل العرب صحيح لهذه المواقف السعوديّة المُشرٍّفة، لكن توقيت تكرارها، قد يبدو بعيداً قليلاً عن العفويّة فكُلٌّ أمرٍ في هذه البلاد، له توقيته وزمانه، ويرتبط ارتباطاً وثيقاً مع حالتها السياسيّة، سواء كانت على الوضع المسموع، الصامت، أو حتى الاهتزاز، تماماً كتشبيهٍ محلّي سمعته “رأي اليوم” كما في حالات جهاز الهاتف المحمول، والسعوديّة هُنا هي الهاتف المحمول هذا، ففي كُل حالاتها تُثير الجدل والانتباه، لكن ليبقى السُّؤال مطروحاً، هل يستعيد هذا الهاتف رنين نغماته المعهودة؟، يتساءل مراقبون.
العالمون في الشأن السعودي، يطرحون فرضيّات عديدة حول الصَّحوة المُفاجئة والعودة عن الإفراط بالتطبيع، أحدها يكمن في تعدد ملفّات السمعة السيّئة، وثانيها ربّما أخذ الحيطة والحذر من تجارب السابقين واللاحقين من أنظمة عربيّة فيما يتعلّق بالملف الفلسطيني، فمثلاً الرئيس المخلوع حسني مبارك، قال بالحرف الواحد لم أستطع أن أدفع بالرئيس الراحل ياسر عرفات في حينها للقُبول بالتنازل عن القدس كعاصمة، يُضيف مبارك: “سيخرج الفِلسطينيون في نهار اليوم التالي غاضبين ويقولوا بأنّ مِصر باعت فِلسطين”!
بالاستماع إلى أحد روّاد المجالس السِّياسيّة في المملكة، لا يُمكن بحسبه ترجيح كفّة أيٍّ من المشهدين، وإن كان مشهد التراجع عن التطبيع الذي يقوده الملك سلمان طاغياً، فربّما يكون المشهد قد نتج بالفعل عن خِلافٍ خفيٍّ بين المليك ووليّ عهده، وربّما يكون بالتنسيق الكامل بينهما، حتى إعادة ترتيب الصُّفوف والملفّات، الثابث الوحيد يُضيف أن الأيّام القادمة وحدها كفيلةٌ لمعرفة أي مخرج سيخرج بقيّة المشاهد، وما هو تصنيفها، أهي للكِبار الوطنيين أم للصِّغار المُطبّعين؟  ml

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here