مشرق عباس
بصرف النظر عن الخلافات هنا وهناك حول طبيعة تقسيم الوحدات الإدارية الرئيسية في العراق (المحافظات) ، ومع الأخذ في الحسبان مطالب لم تتوقف لإنتاج وحدات جديدة، واتهامات حول حدود ديموغرافية وأخرى سياسية تبنتها الدولة بمراحل مختلفة، فإن التقسيم الحالي الذي تكرست على أساسه نُظم الدولة وأجهزتها البيروقراطية، يكاد يكون مثالياً، للبدء بتطبيق اللامركزية كمنهج دستوري معطل منذ 2003. ويمكن القول أولاً، إن الحديث عن «اللامركزية» في ظل تظاهرات تتوجه بالهجوم إلى الحكومات المحلية وتطالب بحلها وتكريس النظام المركزي، قد يكون خطراً، ويصطدم بمعارضين، ما زالوا يعتقدون أن إدارة العراق لا يمكن أن تتم إلا وفق الهيكل الإداري الحالي للدولة الذي تسيطر فيه الوزارات على الصلاحيات والأموال وتمتنع عن التضحية بجزء منها إلى المحافظات، التي لا تتوقف بدورها عن المطالبة بحقوق تعتقد أنها مسلوبة ومصادرة من بغداد. كما ان العودة إلى اللامركزية يصطدم بسقف طموح أعلى لدى محافظات مختلفة مثل البصرة التي تعتقد شريحة كبيرة فيها أن لا بديل سوى تحويل المحافظة إلى إقليم فيدرالي يتيح لها استثمار ثرواتها النفطية.
وعلى رغم أن قانون المحافظات غير المنتظمة بإقليم ورقمه 21، والذي أُدخلت إليه تعديلات مختلفة منذ إقراره العام 2008 ولم يتم تطبيقه حتى الآن، يقدم جزءاً من وصفة الحل عبر إلغاء وزارات مركزية وتحويل صلاحياتها إلى المحافظات، فإن القانون يتعرض لنوعين من الضغوط والمعرقلات، الأول تطرحه المؤسسات المركزية في بغداد، والتي ليس عليها تغيير قوانينها بشكل جذري للتكيف مع النظام اللامركزي فقط، بل أيضاً تسريح الملايين من موظفيها الذين اجتذبتهم العاصمة المحتكرة الصلاحيات طوال القرن الماضي، أما الثاني، فيخص طروحات ذات طابع سياسي ترى أن اللامركزية قد تساهم في تقسيم بلاد هشة ومعرضة للتفكك.
المؤكد أن بغداد لن تتمكن على المدى المتوسط والطويل، من الحفاظ على مركزيتها، وأن المركزية الإدارية هي التي سمحت بتركز المطامع والمصالح الحزبية في المركز والتكالب على تقسيم المؤسسات حزبياً، بدلاً من تحويلها إلى منظومة بيروقراطية صغيرة تراقب وترعى الأداء الإداري والمالي للمحافظات التي يجب أن تتسلم كل الملفات الاقتصادية والاستثمارية والخدمية، بل وتتنافس فيما بينها وتتعاون لتقديم خدمات أفضل إلى مواطنيها.
فشل الدولة، بمنظوره التصنيفي، ينعكس اليوم على كل العراقيين، ما يفسر حركة انتقال الاحتجاجات الشعبية ودلالاتها ومخاطرها، فيما فشل وحدة إدارية في نطاق نظام لامركزي ينعكس على سكان تلك الوحدة، ويجبرهم على تغيير الكوادر الإدارية والنظم والقوانين أو التعليمات المقرة محلياً عبر الآليات الدستورية.
تلك نظرة عامة قد يكون هناك اتفاق عليها عراقياً، لكن الأزمة الحقيقية ما زالت في أسلوب تطبيقها، والآليات والترتيبات والمدد الزمنية التي تتطلبها، بما يسمح بانتقال سلس وتدريجي وغير معقد إلى النظام اللامركزي.
ومع أن العديد من القوى والأحزاب تعتقد أن توقيت التظاهرات الحالية غير مناسب، لجهة تزامنها مع مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة، فإن الحقيقة أنه التوقيت النموذجي تماماً لفرض الحوار العراقي العام حول التغيير المنتظر، بما يشمل كل نقاط الخلل في الدولة والعراقيل التي تقف أمامها، سواء كانت دستورية أو قانونية أو ادارية.
وبالإشارة إلى مقترح قدم في تعليق سابق، حول ضرورة أن تكون التظاهرات منطلقاً لكسر التابوهات وفرض التفكير المفتوح بمشروع تعديل الدستور وتغيير النظام السياسي، وإصلاح هيكلية الدولة وأنظمتها السياسية وآليات تداول السلطة، فإن تطبيق النظام اللامركزي ربما يقع في جوهر أي خطوات إصلاحية كبرى، ولكن ليس قبل مرحلة انتقالية ملائمة تتيح هذا النظام وتمهد له.
إن البحث في الأجندات السياسية العراقية حول مصطلح «اللامركزية» يحيل في الغالب إلى شعارات وخطابات ضبابية صالحة للاستخدام الإعلامي فقط، ولا تتطرق إلى عراقيل الانتقال الإداري والتضحيات الكبيرة التي يتطلبها، والوقت حان كما ندّعي لمواجهة حقيقية لتلك الشعارات، ولإطلاق مصارحة واقعية تجعل التغيير أمراً قابلاً للتحقق، وليس حلماً مستحيلاً.ml
المشاركة

اترك تعليق