مقال لصاحبه

[“كحال كثير من العراقيين، فبحكم دراستي في بغداد استقل القطار احياناً للذهاب لعائلتي في ايام العطل. واكثر ما بقي بذاكرتي من هذه الرحلات المكوكية القطارية مشهد لن انساه ابداً..

فعند خروج القطار من أول محطة ومروراً بالمناطق رأيت أمراً لا يمكن أن اجد تبريراً له، وهو ان طلبة اغلب المدارس وبتقليد محكم يقفون مستعدين وبايديهم الحجارة وبمجرد أن يمر القطار تقوم اعداد كبيرة من الطلبة برجم القطار بمشهد مخزي ومحزن ومستفز.

الغريب أن الأمر لم يقتصر على محافظة دون اخرى ولا مدرسة دون أخرى وتصورت في البدء أن الامر صدفة ولكنه تكرر مرات ومرات دون ان يحرك احد ساكناً.

وانا منذهل لحد الان لأن لا ادارات المدارس ولا الشرطة ولا السكك ولا العوائل كان لها موقف من ذلك لتكرار واستمرار الظاهرة. وبالمناسبة الأمر كان يجري ايام صدام واستمر لحد الان،

ربما البعض يعتبر ذلك ظاهرة عادية أو مشاغبة اطفال لكني الان وانا استاذ جامعي اعدها اخطر ظاهرة لأن الطفل يتعلم وبطريقة ممنهجة وفي سنواته الاولى وفي المدرسة أن الاعتداء على الدولة ومؤسساتها وعلى المال العام والقانون ويتعلم العنف ضد الآخر دون أن يجد من يمنعه أو يرده أو يفهمه خطأ هذا السلوك لتتاسس ثقافة العنف وكره الوطن والتجاوز على الاخرين وعلى هيبة الدولة في الطفولة وفي المدارس.

وعندما يكبر هذا الطفل يكبر معه كره الوطن والتجاوز عليه وإلحاق الأذى به دون رادع من العقاب عن هذا السلوك لأنه تربى عليه واتقنه وتحولت مدارسنا لراعية لهذا السلوك المنحرف وحاضنة له.

ربما البعض يعد ذلك أمراً بسيطاً مع مشاكل البلاد المستعصية ويقول (هي ظلت على القطار) ولكن تأكدوا مشاكل البلاد والتجاوز على المال العام وهيبة الوطن والاستقواء على الدولة جزء منه يعود لتغاضينا واستخفافنا وتركنا لأطفالنا يرمون القطار بدون رادع فتحولوا لأعداء للوطن إنها التنشئة ياسادة ما يتعلمه الإنسان هو ما يشكل سلوكياته لاحقاً. لا تستغربوا إذا سرق المال العام واضعفت هيبة الدولة وتم التجاوز عليها وزورت الانتخابات واستقوى علينا الفاسدون. فهذه (شارة القطار) الذي لم ننتصر له ورجم بدون ذنب. بالمناسبة اليوم وبفرح غامر ووقفة بطولية قامت مجموعة خيرة مؤمنة من شبابنا الابطال حماة الوطن بالاعتداء على القطار جنوب الناصرية وذلك بوضع إعمدة كهرباء على سكة القطار وتم ايقاف القطار الصهيوني الامريكي..

شكراً لابطالنا،

شكراً لوزارة الداخلية التي وفرت الدعم اللوجستي،

شكراً لعوائلنا وعشائرنا التي زرعت في أبنائها هذه البطولات،

والشكر موصول لمدارسنا التي ربت هكذا ابطال،

شكراً لمنظومتنا القيّمة التي أنتجت هكذا شجعان اشاوس مؤمنين يقفوا بوجه القطار وألى الامام والنصر حليفنا وليخسأ القطار رمز الامبريالية والصهيونية، عاش الوطن”] انتهت المقالة.

تعليقة الدكتور عادل عبد المهدي
هذه المقالة بوقائعها وسخريتها تشرح تماماً منظومة الممارسات والقيم المنحرفة والخاطئة باثارها السلبية الكبيرة على الامن والنظام والتطور.. وأنا اشهد بانني اخذت القطار الى الناصرية مؤخراً، وعندما تحرك القطار من بغداد جاءني المراقب وطلب مني الجلوس في الجانب الاخر من المقصورة.. قلت له لماذا؟ قال لأننا سنمر بمناطق يرمي فيها الاطفال الحجارة. وبالفعل اراني الكثير من النوافذ التي حطمتها الحجارة. رغم ذلك اود ان اشير الى ان لكل قطار صاعد، هناك اخر هابط، واقول ان المجتمع يتحمل جزء كبير من المسؤولية، لكن الدولة تتحمل الجزء الاخر. فالظلم والعنف يولد الظلم والعنف، والعلاقات هابطة وصاعدة، فكلما كانت الدولة خادمة للشعب وليس لمصالحها واهوائها ورغباتها، ورؤوفة بالشعب وقائمة بواجباتها لتوفير مستلزمات عيشه وحياته ومستقبله، كلما تسنى ازالة تلك الازدواجية من طغينة للدولة ورغبة في الاعتداء عليها بالتخريب، لنرمي “قطارها” بالحجارة، دون ان نعلم انه “قطارنا”.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here