تتوالى الحقبة المحمديّة فصولاً، يأتي الاجتماع الأخير امتداداً للتعاون القائم بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وولي العهد الإماراتي الأمير محمد بن زايد في العديد من الملفات الإقليمية.
لا يمكن النظر إلى “استراتيجية العزم” التي دخلت حيّز التنفيذ، إطلاق 44 مشروعاً مشتركاً للتكامل بين البلدين اقتصادياً وتنموياً وعسكرياً، والتوقيع على20 مذكرة تفاهم، بعيداً عن مسار عاصفة الحزم التي بدأت في العام 2015.
مجلس التنسيق حمل عناوين برّاقة ستبقى حبراً على ورق ريثما تتمّ مقاربتها على أرض الواقع، خاصّة أن التعاون بين المحمدين عزّز من سطوة كلا الطرفين على المشهد السياسي في البلاد.
على أرض الواقع، يأتي الاجتماع الأوّل بعد عام على الأزمة الخليجية وتصدّع سياسي غير مسبوق في مجلس التعاون الذي دخل مرحلة “الموت الإكلينيكي” وترحّم البعض عليه، ولاسيّما في ظل عجز المجلس في تشكيل هيئة لتسوية النزاعات وفق المادة العاشرة من نظامه الأساسي.
لا نعتقد أن المسألة تتعلّق بفقرة هنا أو مادّة هناك، إنّما الواقع السياسي لإطار مجلس التعاون لم يعد يلبّي طموحات القيادات الفعليّة في كل من السعوديّة والإمارات، أي المحمدين ابن سلمان وابن زايد، ومن هنا جاء مجلس التنسيق السعودي الإماراتي كنتاج طبيعي للعلاقات القويّة والمتينة لوليي عهد أبو ظبي والسعودية.
المجلس الجديد لن يغيّر شيئاً على أرض الواقع ولاسيّما في ظل العلاقة القويّة بين ابن زايد وابن سلمان، بل يبدو أنّه خطوة إعلاميّة تذكّرنا بالتحالف العسكري الإسلامي والعديد من الخطوات السعوديّة التي طرقت إعلاميّاً أبواب السماء، إلا أنّها لا تزال تائهة في الربع الخالي على الأرض.
الحقبة المحمدّية الجديدة التي استثنت البحرين لأسباب تبدأ بالواقع الجيوسياسي لهذا البلد وتبعيته التلقائية للسعودية من جهة، ولا تنتهي بعدم إظهار المجلس الجديد على أنّه بديل لمجلس التعاون كما جاء في البيان الإماراتي السعودي المشترك، رغم أنّه كذلك، لكنّ المراجعة السريعة لمشاريع المحمدين المشتركة لا تبشّر بالخير لهم وللدول الخليجية، التجربة المشتركة الأولى للرجلين تمثّلت في العدوان على اليمن، لكن الرجلين لم ينجحا في تحقيق أهدافهما المتوخاة، بل أدّت التجربة الأولى إلى صراع دموي بين حلفائهما على الساحة اليمنية، فضلاً عن ضحايا بين شهداء وجرحى ومشردين بالملايين، التجربة الثانية كانت إيجابية بالنسبة للرجلين لكنها ليست كذلك لكثيرين حيث تمثّلت في دعم ابن زايد لابن سلمان في تصفية كل مناوئيه وفي مقدّمتهم ولي العهد السابق الأمير محمد بن نايف. التجربة الثالثة تمثّلت بالحصار المفروض على قطر لتكون إحدى الانتكاسات الرئيسية للأميرين ابن زايد وابن سلمان، ولعل إطلاق مسار التنسيق في الذكرى الأولى للحصار المفروض على قطر يهدف للتأكيد على استمرار الإمارات والسعوديّة في سياستهما تجاه قطر.
المجلس الجديد رفع العديد من الشعارات الاقتصادية والتنموية والسياسية والعسكرية والأمنية، ورغم إمساك الطرفين بجميع مفاصل الحكم في بلادهما، إلا أن خيارات ابن زايد وابن سلمان في مجلس التنسيق تبدو وثيقة الصلة بالسمة العسكرية للرجلين فالأوّل هو نائب القائد الأعلى للقوات المسلّحة رسمياً، وقائدها الفعلي، والأخير هو وزير الدفاع السعودي، ونائب القائد الأعلى للقوات المسلّحة، وبالتالي يصحّ تسمية المجلس بغرفة العمليات السعودية الإماراتيّة.
جانب آخر يجب الالتفات إليه بعد تشكيل المجلس يتمثّل بتبعية القرار السعودي تدريجياً للقرار الإماراتي، حيث يرى مراقبون “أن دولة الإمارات تعمل على تعميق الترابط بينها وبين السعودية في محاولة منها للسيطرة على القرار السعودي وتسييره بما يخدم مصالح “أبو ظبي” الإقليمية.
لا نعتقد أنّ الأمر بهذه الصراحة، ولكن صلة ابن سلمان بابن زايد ستؤدي إلى معادلات جديدة في العلاقة بين البلدين قد تسمح لابن زايد كونه أحد المستشارين المقرّبين من ابن سلمان في التأثير على القرار السعودي.
في الختام، ورغم إذعاننا جميعاً لمستوى العلاقة بين البلدين، وتحديداً العلاقة الشخصيّة بين ابن زايد وابن سلمان، إلا أن هناك خلافات لا تبدو بالهيّنة في التوجهات برزت بشكل جليّ في اليمن، ورغم تأكيد العديد من التقارير الإعلاميّة على أن الخلاف بين الطامحين لزعامة الدول الخليجية مسألة وقت لا أكثر، إلا أن الواقع الخليجي القائم، وحاجة ابن سلمان لدعم ابن زايد في ترسيخ حكمه تؤكد استمرار هذه العلاقة الوطيدة إلى أجل تحدّده طموحات كلا الطرفين وحدود التزاحم فيما بينهما.   ml
المشاركة

اترك تعليق