الاتجاه جنوبا له معنى هام، فإدلب في الشمال جزء من منطقة تخفيف التوتر التركية ، و أي هجوم في هذا الاتجاه قد يشعل شرارة الاصطدام بين الجنود السوريين و الأتراك. و التقدم باتجاه الرقة و دير الزور مستحيل فعليا، مع تمتع القوات الكردية و المسماة “قوات سورية الديمقراطية” بالحماية الأميركية. و استعادة سيطرة الحكومة على درعا ذو أهمية خاصة لدمشق، فهو يعني إنهاء المشاريع الرامية لخلق إمارة حوران التي خططت لها السعودية و إسرائيل ، و ستسمح للحكومة السورية بفتح طريق دمشق-عمان مع استئناف الصادرات السورية و العراقية إلى الأردن.

سيناريو كهذا يسبب قلقا للأردن، و لاسيما ما يتعلق باحتمال تدفق المزيد من اللاجئين إلى المملكة الهاشمية، و التي ضمت فعليا أكثر من مليون لاجئ من سوريه ، الأمر الذي وصل إلى حد يجعل من أي موجة هجرة إضافية سببا في كارثة إنسانية تهدد الاستقرار السياسي في الأردن. و علاوة على ذلك، لا يمكن لعمان أن تهضم فكرة وجود مجموعات مقاتلة مؤيدة لإيران أو أفراد من حزب الله بالقرب من الحدود السورية –الأردنية.

و مؤخرا حاولت النخب السياسية الأردنية تسوية علاقاتها مع دمشق، مع التأكيد بشكل خاص على استعادة العلاقات الاقتصادية، و القيام بمحاولات فتح طريق تجاري من سورية إلى الأردن، و رفد وزارة المالية الأردنية بالمزيد من رسوم التجارة و الضرائب اللازمة. و على رأس كل الاعتبارات، يجب الانتباه إلى أنه لا يمكن لعمان الاستخفاف كليا بالرأي العام المُحبَط لمواطني الأردن ، مع كون الغالبية تؤيد دمشق و قضيتها. فحتى أولئك الذين كانوا في الأساس يؤيدون ما يسمى قوات المعارضة المسلحة عارضوا أيضا الضربات الجوية التي شنت ضد سورية من قبل التحالف الثلاثي للولايات المتحدة و بريطانيا و فرنسا في نيسان الماضي. إذ اعتبر هذا الأمر في الأردن اعتداءا غربيا على سورية. و الأردن، خلافا للكثير من الدول العربية، لم تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع سورية ، و السفارة الأردنية كانت تعمل في دمشق خلال الحرب. و عمان اتخذت مؤخرا خطوات لتحسين العلاقات مع الحكومة السورية ببذل الجهود المشتركة الرامية لأمن الحدود الأردنية السورية. كما أيدت عمان علنا عودة سورية إلى جامعة الدول العربية، و منذ شهر تشرين الثاني من العام الفائت و عمان تضغط على المتمردين السوريين، و تطالبهم بنقل معبر نصيب الحدودي على الحدود السورية الأردنية إلى سيطرة الجيش السوري.

في الواحد و العشرين من أيار أصدرت وزارة الإعلام الأردنية مذكرة تقول بأن عمان ترحب بالسيطرة على درعا من قبل الحكومة السورية، و لكن في نفس الوقت تعارض مشاركة مستشارين و تشكيلات عسكرية مؤيدة لإيران في العمليات العسكرية الرامية لبسط هذه السيطرة. و تمت الإشارة إلى أن هذا سيجعل مقاومة القبائل التي تعيش في محافظة درعا أكثر صلابة، و لهذا ليس من الغريب أن عمان استقبلت بشكل ايجابي تصريح كل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين و نظيره السوري بشار الأسد، خلال لقائهما ،و الذي تناول وجوب انسحاب كل الجنود و التشكيلات المسلحة الأجنبية من سورية. غير أن نائب وزير الخارجية فيصل مقداد ، و خلال لقاء مع وكالة سبوتنيك للأنباء في الثالث و العشرين من أيار، استثنى المستشارين العسكريين الإيرانيين و المجموعات العسكرية الموالية من قائمة الجنود الأجانب، و أضاف بأن الرئيسين كانا يشيران إلى القوات المسلحة للدول المعتدية و المتضمنة الولايات المتحدة و تركيا. أما الكتائب الإيرانية و العراقية ، أو تلك التي من حزب الله اللبناني، فهي مستثناة لأنها وصلت إلى سورية بناء على طلب دمشق. و في هذا السياق، عول مقداد على الانتخابات الرئاسية و البرلمانية القادمة في تركيا على أمل أن يصل إلى سدة الحكم في أنقرة سياسيون أكثر تعقلا.

و حقيقة أن التحضير جار من أجل العملية العسكرية في درعا لم تعد سرا، بل إن وكالة “المصدر” ذهبت إلى حد نشر مسودة للعملية. و دمشق واثقة من أنها ستكون قادرة على إقناع الكثير من المقاتلين بالاستسلام و الانتقال إلى الشمال . و القوات العسكرية السورية ستتنقل بعد ذلك للتركيز على جيوب داعش في درعا. و من الطبيعي أن أحدا لا يعرف فعليا ماذا سيحدث عندما يبدأ القتال، و صحيح أن هناك احتمال لمفاجآت غير سعيدة، و لكن الاعتبار الرئيسي هو لتشكيلة القوات التي اجتمعت في دمشق لاستعادة درعا، إذ لا يوجد فصائل مؤيدة لإيران من أجل تنفيذ هذه المهمة، و ذلك مع قيام الحكومة السورية ببذل الجهود من أجل أن تستخدم عوضا عن ذلك كل الوحدات التي يمكن أن توصف بأنها تشكيلات محلية. و التشكيلات المعلنة هي: الفرقة الرابعة، اللواء 39، اللواء 40، اللواء 42، الفرقة المدرعة الخامسة ، اللواء 15، لواء الهجوم التاسع، فرقة القوات الخاصة 15، قوات اللواء 105، اللواء 106، لواء القدس، جيش تحرير فلسطيني، قوات الدفاع الوطني، الحرس القومي العربي، الحزب القومي الاجتماعي السوري، كتائب البعث…. القوات المجتمعة تضم مجموعات مسلحة فلسطينية بل و حتى فصائل من شرطة المرور، و القوة الفعلية تصل إلى 15.000 ما يثير التساؤل حول ما إذا ستكون هذه القوات على مستوى المهمة. و يبدو أن النصر يمكن إحرازه عبر المدفعية و القصف الجوي و كل محاولة من أجل تقليص خسارة الجنود.

 قلم بيتر ليفوف ـ ترجمة رنده القاسم “عن مجلة New eastern Outlook الالكترونية”

المشاركة

اترك تعليق