تعرّض مشروع “تدريب وتجهيز الأفراد لمكافحة الإرهاب في العالم” التابع لوزارة الدفاع الأمريكية لفشل ذريع، حيث أنفق البنتاغون حوالي 2 مليار دولار في الهواء ولم يحصد أي نتيجة تذكر، الاستخدام غير الصحيح للمعدّات، وعدم القدرة على الحفاظ عليها وانتقالها إلى الإرهابيين إضافة إلى الفشل في تحسين قدرات القوات المحلية في مكافحة الإرهاب، من النتائج التي أدّت إلى خسارة واشنطن لاستثماراتها في سوريا والعراق. كما ويعكس انتشار التقارير عن فشل استراتيجية البنتاغون الجديدة لمكافحة الإرهاب، فشل المسؤولين العسكريين والأمنيين الأمريكيين في تقييم التهديدات الإرهابية وكيفية التعامل معها.
قصة الفشل منذ أحداث 11 سبتمبر إلى يومنا هذا
بعد الهجوم الإرهابي الذي وقع في 11 سبتمبر 2001، شنّ الرئيس جورج دبليو بوش، تحت عنوان محاربة الإرهاب العالمي، حرباً ضد أفغانستان والعراق، وباحتلال هاتين الدولتين، مهد الطريق فعلياً وبطريقة غير مباشرة لتشكيل مجموعات إرهابية متطرفة مثل داعش وجبهة النصرة، وهي ظاهرة انتشرت على نطاق واسع من خلال إيجاد المنصّة الصحيحة والبيئة الحاضنة في سوريا والعراق وأفغانستان، من ناحية أخرى، وبذريعة مكافحة الإرهاب، قامت أمريكا بهجمات ضد الإرهاب باستخدام الطائرات من دون طيار في أجزاء كثيرة من العالم، وخاصة في الشرق الأوسط وإفريقيا، ومن ضمن الإجراءات التي اعتمدتها في محاربة الإرهاب أيضاً “تدريب وتجهيز واستخدام القوات المحلية لمحاربة الإرهابيين”.
وإن عدنا بالتاريخ إلى الوراء، نرى أن السياسة الأمريكية الحالية هي نفسها التي بدأ بها قائد القيادة المركزية في ذلك الوقت ديفيد بترايوس من العراق، ثم امتد لاحقاً إلى أفغانستان، ومع ذلك، ووفقاً لتقرير نشره المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، في عامي 2016 و2017، فشل المشروع العالمي لتدريب القوات المحلية في 13 دولة من أصل 21 دولة حول العالم طبّق فيها، وقد تم تنفيذ مشروع “التدريب والتجهيز” للبنتاغون على مدى العامين الماضيين في دول مثل بلغاريا وتركيا ورومانيا واليونان وألبانيا وصربيا ولبنان والأردن وتشاد والنيجر والمغرب العربي وتونس وإفريقيا.
ومع وصول ترامب إلى كرسي البيت الأبيض، قام بإلغاء برنامج السي آي إيه لتدريب وتجهيز المتمردين “المعتدلين” المزعومين في سوريا في يوليو 2017 بسبب عدم الكفاءة والأخطاء في الحسابات، فضلاً عن فقدان المعدّات وعدم الحفاظ عليها، بالإضافة إلى أنه تم تدريب بعض هؤلاء الأشخاص وتسليحهم بمعدات أمريكية إلا أنهم انضموا فيما بعد إلى تنظيمات إرهابية كداعش وأخواتها.
ووفقاً للمتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية ايغور كوناشكوف: “إن أهم عقبة أمام القضاء على الإرهابيين في سوريا ليست قدرتها القتالية، ولكن الدعم والألعاب التي تقوم بها أمريكا معهم”.
كلام كوناشكوف يشير إلى أنّ هناك تناقضاً واضحاً في النهج الأمريكي بمحاربة الإرهاب، حيث تفيد تقارير عن مساعدات أمريكية ضخمة للإرهابيين المتطرفين، خاصةً تنظيم داعش في العراق وسوريا وأفغانستان، والتي أثارت احتجاجاً روسياً كبيراً، خاصة في أفغانستان، كما يعتقد فلاديمير كوزين، خبير عسكري، أن “الأمريكيين لم ولن يتخلوا عن دعمهم لإرهابيي داعش في سوريا، صحيح أن ترامب لطالما كان يدعو إلى القضاء على الإرهابيين إلا أن أمريكا لم تتخذ قط تدابير فعّالة للقضاء على الإرهاب بل سعت إلى السيطرة عليها وإدارتها”.
أسباب الفشل
ويرى محللون هنا أنّ هناك أسباباً عديدة للفشل الأمريكي في برنامج “تدريب القوات المحلية لمكافحة الإرهاب” ونذكر منها التالي:
1-التخبّط في التنسيق بين القوى الأمريكية نفسها كوكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الدفاع في سوريا مثلاً، حيث أشارت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، إلى وجود مواجهة بين وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) التي تدعم الميليشيات الكردية، وبين وكالة المخابرات المركزية (سي آي إيه) التي تدعم الجيش السوري الحر في عملياته العسكرية بمدينة جرابلس السورية بريف محافظة حلب.
وادّعت الصحيفة أن الجيش الحر الذي تمكّن من تحرير جرابلس من تنظيم “داعش” بدعم الجيش التركي (في إطار عملية درع الفرات)، يتلقى الدعم من قبل وكالة المخابرات المركزية، فيما تدعم وزارة الدفاع الأمريكية “قوات سوريا الديمقراطية” التي تقودها وحدات حماية الشعب الكردية، الذراع السوري لمنظمة “بي كا كا” الإرهابية.
2-القوى المدعومة أمريكياً أغلبها تسعى للوصول إلى القدرة وهذا ما يفسّر المعارك فيما بينها والتي كان يستخدم فيها الطرفان المدربان أمريكياً سلاحاً أمريكياً.
3-كما أن الفلسفة الأمنية والاستخباراتية تقول إن التطرّف لا يجلب إلا التطرف وهذا ما رأيناه على مرّ التاريخ من القاعدة عندما كانت تحارب السوفييت بأمر أمريكي والتي انبثقت عنها فيما بعد تنظيمات أخرى كداعش والنصرة وجيش الإسلام، وهذا ما أكد عليه “جيمس ماتيس” وزير الدفاع الأمريكي عندما تسلّم منصبه أن دخول القوات الأمريكية إلى العراق والقضاء على حكم صدام حسين لم يصبّ لمصلحة بلاده، وعليه فإن ذلك كان خطأ استراتيجياً حسب وصفه، وذلك لأنه ولّد كل هذا التطرف في العالم.
4- أمريكا التي تدّعي مواجهة التطرف في الحقيقة تسعى لاستبدال تطرّف بتطرّف آخر، الأكراد على سبيل المثال ارتكبوا العديد من الجرائم في الشمال السوري، إلا أنهم يحققون الأهداف السياسيّة لأمريكا، فهل هذه هي مكافحة الإرهاب.
خلاصة القول، لا شكّ أن سوريا شكَّلت نموذجاً للفشل الأمريكي في الساحة الإقليمية والدولية على الصعيدين الأمني والسياسي، فشل واضح وتخبُّط لا ينفصل عن كونه نتاج هزل سياسي تقوده الإدارات الأمريكية المتعاقبة على صعيد السياسة الخارجية، بدأ ولم ينته، خاصة في عهد الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب الذي يتشاءم منه الإعلامي الأمريكي بسبب سياساته الداخلية والخارجية غير الدقيقة. ml
المشاركة

اترك تعليق