منذ أنّ أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نيّته إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية مُبكرة يوم 24 يونيو/ حزيران القادم، شهدت تركيا حالة من رصِّ صفوف المعارضة، بالإضافة لتشكيل الائتلافات الانتخابية، وذلك بهدف مواجهة أردوغان في الانتخابات المُقبلة، حيث إنّ تلك الانتخابات ستكون الأولى من نوعها بعد تعديل الدستور التركي إذ تحوّل من نظام برلماني إلى نظام رئاسي.
فقبل عام تقريباً؛ اقترح أردوغان تغيير الدستور التركي على نحو يزيل من خلاله منصب رئيس الوزراء مع زيادة في صلاحيات منصب الرئاسة، وتم إجراء الاستفتاء في شهر نيسان/ أبريل من العام الماضي، وعلى الرغم من الدعاية الحكومية الضخمة للترويج لمقترح أردوغان، إلا أن مشروع تعديل الدستور استطاع وبعد تلك الحملة الضخمة كسب أصوات ضئيلة للغاية من قبل المواطنين الأتراك لاعتماده.
وبعد الإعلان عن الاستفتاء الذي أُجري العام الماضي قال أردوغان في تصريحاتٍ عدّة إن التغيير في النظام السياسي وإقالة منصب رئيس الوزراء في البلاد لن يتم اعتمادهما حتى نهاية المدة الحالية لرئاسة أردوغان، والتي تبقّى الآن منها قرابة العام والنصف، غير أنّ أردوغان سارع بحملة من أجل وضع الدستور الذي تمّ إصلاحه، في العمل من خلال إجراء انتخابات رئاسية مبكرة وقبل نهاية ولايته الرئاسية، فلماذا طالب أردوغان بإجراء انتخابات مبكّرة في بلاده وما هي فرص أردوغان في الفوز بهذه الانتخابات؟
 أحد أهداف أردوغان الرئيسة من إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة هو استكمال خطة تغيير النظام السياسي من البرلماني إلى النظام الرئاسي، ففي حالة إجراء انتخابات رئاسية مبكرة سيكون أردوغان مرشحاً رئيسياً فيها، وسيتم إزالة السلطة السياسية بالكامل من خلال إقالة رئيس الوزراء لمصلحة توسيع صلاحيات الرئيس، وفي الظروف التي ستتمخض عنها الانتخابات؛ فإنّ رئيس تركيا المستقبلي سيُتابع وبأيدٍ مفتوحة تنفيذ السياسات الداخلية والخارجية وبشكل أوسع.
وفي السياق ذاته؛ وبعد استقرار النظام السياسي في ظلّ الانتخابات المُقبلة، سيتم أيضاً إلغاء حق مجلس النواب في مساءلة الوزراء، وبناءً على ذلك؛ سيتغلب أردوغان على أحد أهم العوائق أمام تنفيذ خططه الداخلية والخارجية؛ ففي الوقت الحالي فإنّه يحق لممثلي حزب الشعب الجمهوري وبعض أحزاب المعارضة الأخرى الموجودة في البرلمان التشكيك بإجراءات الحكومة وهو ما يُشكل عقبة كبيرة أمام أردوغان، ومن خلال إجراء الانتخابات الرئاسية؛ يأمل الرئيس الحالي تخطي هذه العقبات.
 ومن ناحية أخرى، فإنّ واحدة من أكثر المجموعات والحركات المتحمسة لمواجهة حزب العدالة والتنمية الإسلامي بقيادة أردوغان كانت قريبة من بعض قطع الجيش التركي العلماني، وعلى الرغم من انحسار قوّة الفئة العلمانية بعد انقلاب تموز الفاشل من العام 2016، غير أن أردوغان ما يزال قلقاً من بعض الجيوب التي لا تزال موجودة في الجيش.
أكثر من ذلك؛ فإنّه ووفقاً للقانون الجديد، فإن أولئك الذين لهم علاقة بالجيش لن يكونوا مؤهلين للانتخاب، وسيكون أردوغان أكثر ثقة بشأن الانتخابات المقبلة، حيث إنّه وللمرة الأولى في تاريخ الدولة التركية الجديدة؛ تم تقليص نفوذ الجيش في الحياة المدنية إلى أدنى حدّ ممكن، حيث لن يتمكّن الأفراد العسكريون فقط، بل أيضاً الأفراد المرتبطون بالجيش من المشاركة في العملية الانتخابية.
وتجري الانتخابات المبكرة أيضاً في وضع تشهد فيه البلاد فترة من التراجع في النمو الاقتصادي، حيث بلغ معدل النمو الاقتصادي في تركيا 7.3 ٪ في الربع الأخير من العام الماضي، ولكنه انخفض الآن إلى 7 ٪فقط، ويعتقد الكثيرون أن أردوغان ومن خلال إجراء انتخابات مبكرة وتهيئة الظروف للاستقرار السياسي على المدى الطويل، يسعى إلى تحسين وضع الاقتصاد التركي وذلك من خلال تأمين السلامة والاستقرار.
وفي الختام؛ وبناءً على ما سبق؛ فإنّ ائتلافاً من الأحزاب العلمانية والإسلامية واليسارية والكردية سيمثل منافساً جاداً لأردوغان في الانتخابات، كما ستكون هزيمة أردوغان واردةً وبشكل كبير، وما يُثير الفزع لأردوغان هو ما أعلنته كلٌّ من نقابة المحامين ورابطة الصحفيين وبعض الغرف التجارية؛ حيث عبّرت جميعها عن دعمها للتحالف من أربعة أحزاب ضد أردوغان، وبناءً على هذا وعلى الرغم من أن المفتاح الرئيسي للانتخابات ألا وهو الإعلام في يد الحكومة التي يُديرها حزب العدالة والتنمية، إلا أنّ الجبهة التي تشكّلت في مواجهة الحكومة، تبدو كبيرة ووازنة للغاية ومن شأنها مواجهة أردوغان في الانتخابات.  ml 
المشاركة

اترك تعليق