بقلم/ نزار حيدر

 

ومن مشاكلِنا المعرفيَّة الجوهريَّة التي تتحكَّم في طريقةِ تفكيرِنا غير السَّليمة التصوُّر بأَنَّ مشاكل نظامنا الديمقراطي فريدةٌ من نوعِها ولا توجد مثلها في أَيِّ نظامٍ ديمقراطيٍّ آخر في هذا العالَم!.

   هذه الطَّريقة من التَّفكير والتي تعبِّر عن جهلِنا بالتَّجارب الأُخرى وبما تعاني مِنْهُ النُّظم الديمقراطيَّة تقودنا إِلى شيئَين كِلاهُما سيِّئَين؛

   ١اليأسُ بسرعةٍ فتضيقُ صدورنا بمحاولاتِ الإِصلاحِ والتَّغيير! وشعارُنا المفضَّل [مَيفيد]!.

   ٢لا نسعى لِلبحثِ عن حلولٍ مّا في تجارب الآخرين لأَنَّ ديمقراطيَّتنا [غير شِكل] وإِنَّ مشاكلنا لا مثيلَ لها! فلا نكلِّف أَنفسنا بالبحثِ والتَّنقيب عن حلولٍ في تجاربَ مُشابهةٍ مرَّت بها شعوبٌ أُخرى!.

   بهذا الصَّدد أَنا أَدعو كلَّ عراقيٍّ وعراقيَّةٍ، مواطنٌ عاديٌّ أَو سياسيٌّ، أَن يقرأُوا كتابَين ثريَّين بالمعلوماتِ يخُصَّان تجربتَين ديمقراطيَّتَين؛

   الأَوَّل؛ مُذكَّرات رئيس وزراء بريطانيا الأَسبق جون ميجر وعنوانهُ [قِصَّة حياتي] ويقع في [١٢٥٠] صفحة من القِطع الكبير.

   الثَّاني؛ مُذكَّرات رئيس الولايات المتَّحدة الأَسبق بل كلينتُون وعنوانهُ [حياتي] ويقع في [١٠٥٠] صفحة من القِطع الكبير.

   وأَنتَ تقرأُ فيهِما ستشعر وكأَنَّك تغوصُ في بحرِ تجربتِنا الديمقراطيَّة! إِذ ستجد؛

   أ/ كيف أَنَّ دُول العالَم المعنيَّة بالسِّياسات في هذَين البلدَين المهمَّين تسعى للتَّأثير على نتائج الانتخابات بمُختلفِ الطُّرق! فيذكر الرَّئيس كلينتُون أَنَّ [الصِّين] حاولت التَّأثير على نتائج الانتخابات لصالحِ التَّجديد لَهُ لوِلايةٍ ثانيةٍ عام [١٩٩٦].

   أَمَّا تأثيرُ الولايات المتَّحدة وعدد من دُول المجموعة الأُوربيَّة على نتائج الانتخابات البرلمانيَّة في بريطانيا فتقرأَها على لسانِ ميجر في مذكَّراتهِ!.

   ولا أَظنُّ أَنَّني بحاجةٍ إِلى أَن أَذكرَ حجم التَّأثير الرُّوسي على نتائج الانتخابات الرِّئاسيَّة الأَميركيَّة الأَخيرة والتي باتت تشكِّل أَضخم ملفِّ [جِنائيٍّ] ضدَّ رئيسٍ  أَميركيٍّ منذُ فضيحة [ووترجيت].

   ٢كيفَ يستخدمُ المتنافسُون في الانتخاباتِ كلَّ الوسائل والأَدوات القذِرة لتسقيطِ الخصمِ وبثِّ الشَّائعات والإِتِّهامات الرَّخيصة ليس أَقلَّها التَّسقيط الأَخلاقي واغتيال الشخصيَّة وما يسمِّيه الرَّئيس كلينتون بالتَّدمير الشَّخصي الذي تعرَّض لَهُ بالإِضافة الى التَّهديدات بكلِّ الأَشكال التي تلقَّاها من الجمهوريِّين بمجرَّد أَن قرَّر خوض الانتخابات للمرَّة الأُولى في العام [١٩٩٢].

   ٣أَمَّا المُحاصصة تحت قُبَّة البرلمان في واشنطن ولندن وسياسات الابتزاز وعضِّ الأَصابع وليِّ الأَذرُع والتي تتسبَّب بشللِ العمل النِّيابي الذي يحُولُ دون تشريعِ الكثيرِ من القوانين إِلّا بشِقِّ الأَنفُسِ! وكيف تجري المُساومات السياسيَّة بين الحزبَين [في الحالة الأَميركيَّة] أَو بين الحزبِ الحاكِم والمُعارضة [في الحالةِ البريطانيَّةِ] فلقصَّتِها بدايةٌ دونَ نهايةٍ!.

   يكفي مثلاً أَن تقرأَ قصَّة الجُهود المبذولة لضبطِ السِّلاح في الولايات المتَّحدة للحدِّ من حالات قتل التَّلاميذ الصِّغار في المدارسِ على يدِ زُملائهِم والتي تتبدَّد بسببِ الفسادِ المالي والسِّياسي! وذلكَ منذُ عهد الرَّئيس بوش الأَب ولحدِّ الآن ومن دونِ أَيَّة نتيجةٍ تُذكر! فحالاتُ القتلِ في تزايُدٍ مستمرٍ من دُونِ أَن تلقى آذاناً صاغيةً مِن المشرِّعين لإِيجاد حلُولٍ قانونيَّةٍ لها الأَمرُ الذي إِضطرَّ أَولياءِ الأُمورِ قبل أَسابيع إِلى تنظيم تظاهراتٍ مليونيَّةٍ في كلِّ الولاياتِ للفتِ أَنظار المشرِّعين للمُشكلةِ المُزمِنةِ!.

   ٤أَمّا الفسادُ المالي والإِداري الذي يضرِب بأَطناب المؤَسَّستَين التنفيذيَّة والتشريعيَّة في البلدَين فيُمكنُك أَن تطَّلع على قُصصها المهُولةِ في الكِتابَين المذكُورين!.

   لا أُريدُ أَن أُطيلَ في الوصفِ! ولكنَّني أُكرِّرُ أُمنيَتي مرَّةً أُخرى على العِراقييِّن أَن يُطالعُوا الكِتابَين ليتعلَّموا السِّياسة والديمقراطيَّة وتحدِّياتِهما ودَور المُواطن في تمريرِ التَّشريعات تحت قُبَّة البرلمان! لتتَّسعَ صدورهُم لمشاكلِ ديمقراطيَّتهم من أَجلِ مزيدٍ من الجدٍّ والمُثابرةِ لتحقيقِ الإِصلاح والتَّغييرِ بدلاً من التَّباكي وتجبينِ بعضهُم البعضِ الآخر والهرُوبِ والإِنكفاء على الذَّاتِ بالقَولِ [مَيفيد]. 

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here