على مدى جمعتين متتاليتين (30 مارس و6 أبريل)، شهدت فلسطين مسيرة كبيرة على طول قطاع غزة مع الأراضي المحتلة، أطلقت عليها حماس اسم “مسيرة العودة” إذ تُعتبر طريقة جديدة ومبتكرة من المقاومة الفلسطينية للفت الأنظار مرة أخرى نحو فلسطين.
وعلى الرغم من أن المسيرة كانت سلمية تماماً، إلا أن القوات الصهيونية عمدت إلى قتل 32 فلسطينياً وتسببت بإصابة بأكثر من 3000 شخص بحلول ظهر يوم الجمعة 6 أبريل، الأمر الذي أدّى، نتيجة لاستمرار الاحتجاجات، إلى زيادة أعداد الشهداء.
إن رد الفعل القمعي والدموي للكيان الصهيوني على المسيرة أدّى إلى تصدّر القضية الفلسطينية مرة أخرى وسائل الإعلام، وزاد من ضغط الرأي العام على هذا الكيان. وسندرس في المقال هذا تبعات ومكاسب هذه المسيرة.
1-سبب إحياء “يوم الأرض” على شكل “مسيرة العودة” وأثرها على الوضع الحالي في المنطقة
1-1-يوم الأرض
يعود تاريخ تعيين يوم الأرض إلى عام 1976، وكان السبب الرئيسي لأحداث يوم الأرض هو أنه في 29 مارس 1976، استولت السلطات الصهيونية على أراضي بعض القرى العربية وسط الجليل، مثل عرابة، سخنين، ديرحنا، عرب السواعة وغزة، لبناء المستوطنات اليهودية في إطار تهويد الجليل وإخلائها من السكان العرب الذين يشكلون نصف مجموع السكان.
ولقد نتج عن احتجاج الفلسطينيين على الإجراءات العدوانية للكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة، اشتباكات عنيفة بينهم وبين القوات الصهيونية في 30 مارس، حيث قُتل ستة فلسطينيين بالرصاص من قبل الغزاة وأصيب الآلاف بجروح.
ومنذ ذلك الحين، يشار إلى “يوم الأرض” كرمز للمقاومة الوطنية الفلسطينية على الحدود أمام الأراضي التي أدّت إلى نشوب صراعات بين الكيان الصهيوني وفلسطين، لكن هذا العام، أدّت الظروف الحرجة للقضية الفلسطينية والتطورات التي حدثت حول المسجد الأقصى إلى أن يكون يوم الأرض أكثر اختلافاً وأكثر حماساً.
2-1-مواجهة “صفقة القرن”
إن محاولات السلطات واللوبي الصهيوني ويهود حكومة ترامب، بما في ذلك صهره، كوشنر، من أجل تنفيذ ما يسمونها بـ “صفقة القرن”، وموافقة السعودية ومصر للصفقة يعدّ خيانة كبرى، لعلّ كل هذا يمكن أن يكون أحد العوامل الرئيسية وراء مسيرة حماس الكبرى وحركات المقاومة في عام 2018.             
“صفقة القرن” هو مصطلح تكرر في الأشهر الأخيرة من قبل ترامب، وسلطات تل أبيب، وحتى تيارات المقاومة الفلسطينية، وتعني “صفقة القرن” إنهاء القضية الفلسطينية وتطبيع العلاقات بين العرب والكيان الصهيوني.
لقد كانت مبادرة حماس المتمثلة بإحياء “يوم الأرض” فعّالة للغاية في مواجهة “صفقة القرن” و”تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية” بطريقة خلقت أجواءً كبيرة ضد الصهاينة داخل فلسطين والعالم الإسلامي، وحتى أوروبا وأمريكا.
فبعد يومين من مسيرة الجمعة الأولى، بدأ ابن سلمان باستخدام خطاب جديد وأكثر خطورة ضد حماس في مقابلة مع صحيفة “ذا اتلانتيك” في خطاب غير مسبوق، اعترف فيه بالكيان الصهيوني و”أرض إسرائيل”.
وقال ابن سلمان رداً على أسئلة صحيفة ذا اتلانتيك “أعتقد أن للفلسطينيين والإسرائيليين الحق في امتلاك أرضهم الخاصة لكن يجب أن يكون لدينا اتفاق سلام من أجل استقرار العلاقات بين الجميع وتطبيع العلاقات أيضاً… ليس لدينا مشكلة أخرى مع أي أحد (الإسرائيليين) ليس لدينا مشكلة مع اليهود … مثلث الشر هذا، تحديداً إيران وجماعة الإخوان المسلمين (حماس) والجماعات الإرهابية، يحاولون الترويج لفكرة أن من واجبنا نحن المسلمين إعادة تأسيس الخلافة بناءً على معتقداتهم الخاصة.”
إن رسالة قائد الثورة الإسلامية رداً على رسالة زعيم حماس إسماعيل هنية وتأكيده على خيانة بعض القادة العرب، إضافة إلى الظرف الخاص والصعب للمجاهدين في قطاع غزة يكشف أهمية الإجراءات السعودية ضد فلسطين.
2. إنجازات مسيرة العودة
1-2-تحدي الحصار المفروض على غزة
من الأهداف والإنجازات التي حققها احتفال يوم الأرض على شكل مسيرة العودة، تحدي وتخفيف الحصار المفروض على قطاع غزة، فمع الوضع الإنساني الكارثي وسبل العيش المأساوية في قطاع غزة، مارس الكيان الصهيوني الكثير من الضغوط على حماس في الأشهر الأخيرة بطرق مختلفة، بما في ذلك خفض صادرات الطاقة، وفرض ضغوط اقتصادية مع مسايرة السلطة الفلسطينية لهم، وإغلاق ممر رفح من قبل مصر، ما أجبر المقاومة الفلسطينية على تقديم امتيازات مقابل تقليل الحصار على قطاع غزة.
لكن حماس حاولت مراراً وتكراراً وبطرق مختلفة تخفيف الضغط على قطاع غزة دون تقديم امتيازات للكيان الصهيوني، مثل تفويض إدارة غزة إلى حكومة المصالحة الوطنية، والتوقيع على اتفاق مع دحلان ومصر.
2.2 التحدي الأمني لإسرائيل في السيطرة على حدود قطاع غزة
بادر الكيان الصهيوني في شهر نوفمبر / تشرين الثاني الماضي بقصف أحد أنفاق الجهاد الإسلامي الفلسطينية، وفي هذه الحادثة، استشهد سبعة من أعضاء الجهاد الإسلامي في سرايا القدس واثنان من أعضاء حماس في كتائب القسام، وأصيب نحو 15 آخرين، وإن سبب ازدياد أعداد الشهداء بعد لحظات من هجوم مقاتلات الكيان الصهيوني تبيّن بعد خطاب أشرف القدرة، المتحدث باسم وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة الذي أعلن أن أشخاصاً داخل النفق استشهدوا أو أصيبوا بجروح نتيجة استنشاق الغاز السام.
إن اختيار تفجير نفق بالقرب من موقع عسكري في الأراضي المحتلة واستخدام القنابل السامة لأول مرة من أجل تدمير أنفاق المقاومة تشير جميعها إلى أن تحدي الكيان الصهيوني لمنع انتشار الأنفاق قد ازداد بشكل كبير، لقد أرسل قطاع غزة بهذه المبادرة رسالة إلى الصهاينة، الذين لا تزال تحدياتهم الأمنية قائمة حتى مع توسيع القدرة الدفاعية للقبة الحديدية وتدمير أنفاق المقاومة.
3-2-الكفاح المدني؛ طريقة جديدة لمحاربة الكيان الصهيوني
كانت إحدى نتائج مسيرة العودة يوم الجمعة، التي خططت لها حماس وإعلام المقاومة الفلسطينية، هي بيان أهمية وتأثير الكفاح المدني والاجتماعي دون استخدام الأسلحة الباردة والساخنة وخوف الصهاينة من هذا الأمر.
لقد أثبتت مسيرة العودة أن حماس وحركات المقاومة الأخرى يجب أن تولي مزيداً من الاهتمام لأساليب الكفاح غير المسلح والمدني إلى جانب الكفاح المسلح، الأمر الذي من شأنه منع التسوية وتطبيع العلاقات العربية الصهيونية.
وأكد يوسي بيلين، نائب وزير الخارجة الأسبق للكيان وأحد الشخصيات البارزة في طرح اتفاقية أوسلو، أن مسيرة العودة هي سلاح الفلسطينيين السري الذي نخشاه، لأن مئات الأشخاص سيموتون في هذه المسيرة لإجبار العالم على التدخل.
 التصريح المذكور أعلاه هو جزء من الخوف الصهيوني من هذا الكفاح المدني، الذي رأينا تأثيراته الهائلة في الأيام العشرة الأخيرة.
3. الخلاصة
أحد الإنجازات المهمة لمسيرة العودة هو بيان أهمية النضال المدني أو بتعبير آخر غير العسكري، ضد كيان أمني مسلح بالكامل، يجب على حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية الأخرى أن تدرك أهمية مسيرة العودة، وتحافظ على النضالات المسلحة وتعزيزها، إضافة إلى خلق مبادرات للكفاح المدني وغير المسلح من أجل وقف السياسات الأمنية والعسكرية للكيان الغاصب.
 إن ردود الأفعال الواسعة من قبل وسائل الإعلام الدولية المختلفة على جرائم الصهاينة في قمع مسيرة العودة يضاعف أهمية الكفاح المدني.ml
المصدر … الوقت 

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here