يوم امس ٧/ ٤/ ٢٠١٨ كنت جالساً في فندق الرشيد وكنت اعيش مشاعر متباينة وانا ارمق فعاليات مؤتمر الباقرين الشهيدين الدولي، وانا اتأمل بصورتي المرجع الشهيد السيد محمد باقر الصدر رضوان الله عليه وبصورة شهيد المحراب قدس الله سره ومع هجوم الذكريات معهما وتذكر الاقوال والنصائح والمواقف وفيها مما لم ابح به بعد في المجالس العامشة خاصة تلك التي كانت لي مع المرجع الشهيد قدس سره الشريف وهي تمتد منذ ان كنت في الخامسة عشر من عمري في ايام صلاته في الحسينية الشوشترلية في مسقط راسي في عمارة النجف الاشرف، وان كانت ذاكرتي مع شهيد المحراب رضوان الله عليه تمتد لما قبل هذا العمر، وبطبيعة الحال كانت مشاعر الافتقاد هي الاعظم، ولم تنافسها الا مشاعر الغبطة لهما فيما فازا به وتخلصا منه، فسنة الحياة ان لا يبقى اي احد، والعبرة فيمن سيتم افتقاده لو افلت ايام عمره او فيمن سيرتاح منه، والقيمة ستظل فيمن تغبطه على ما فاز به، او في الحسرة على سوء عاقبته، وما من شك ان ما يفتقده المرء في غيابهما لاسيما في هذه الايام يجر الحسرة والالم والدمعة والحنين وكل صور وتشكلات الافتقاد، ولكن الغبطة لما فازا به وتخلصا منه هو الاخر يفيض على القلب مشاعر الوجد والاشتياق، وقد فازا بامر هو اعظم اشكال امانيهما وهو الشهادة على ايدي اخس الناس قدرا عند الله وارذلهم في مخلوقاته،

واني ادعي اني سمعت هذه الامنية من لسانيهما الشريفين عدة مرات، وقد فازا بهذه النعمة الالهية العظمى وهما في ارفع مقام معنوي واجتماعي اذ خرجا من هذه الدنيا نقيين زاهيين من كل ما يشينهما رغم ما الم بهما من جهل من جهل حقهما واستخف بهما، وعلى اي حال حظيا بحسن العاقبة بصورتها المثلى في زمن لا ابالغ لو قلت بانه عز الحصول على بعض منها بالنسبة للكثيرين فكانا في قضاء نحبهما مصداقا جليا لرجال الاية الكريمة: “رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه” ولكن هذه الغبطة وذلك الافتقاد في زمن الجهل هذا وفي زمن الخيانة والسقوط في قذارات الدنيا واوحالها يستتبع هما ثقيلا وغما الاجدر بالعقلاء ان يكون من النوع الذي يستجلب الكرب العظيم الى قلوبهم وان لا يركنوا الى اي استرخاء فيها ففي الزمن الصعب والمسؤولية العظيمة والجهل وعمى البصيرة وتضييع الدرب والتاريخ وشراء الابخس بالاغلى واللهاث وراء كل بريق مالي او اعلامي او سلطوي وان كان بترك الواجب والتخلي عن المبادئ او بالركون الى الظالمين، وهو امر احاق بالجميع ولن يفلت منه الا الاندر فالاندر، اقول في مثل هذا الزمن يجدر بمن احتاط لاخرته ان يبقى في هم جاد في كيفية النجاء بالنفس من هذه المهلكة والبلاء العظيم لحالة حسن العاقبة، والادهى ان الانسان محاط بين شفرتين لا تهادن معهما ولا من مجال للتهاون فيهما، شفرة الواجب والتكليف وشفرة الهروب من مضلات الفتن!!

لقد كانت بعض الوجوه الحاضرة مذكرة ببراني ومجلس الشهيد الصدر قدس سره، والاخرى مذكرة بالشهيدين العظيمين معا، وتذكرت رجالا كانوا يمتون بالصلة الوثيقة للشهيدين العظيمين تذكرت باجلال استاذي الشهيد الشيخ حسين باقر حمودي وقد كان اخر وصل بيني وبين الشهيد الصدر رضوان الله عليه قبل هجرتي من العراق بيومين في مدرسة اليزدي الصغرى وهو يحمل لي اذن الشهيد الصدر بالهجرة مع وصية من وصاياه والتي ارجو ان اكون قد اديتها بما ارضاه،

وتذكرت باكبار حديث الشهيد الصدر رض في شان سماحة اية الله الشيخ هادي ال راضي دام ظله وما يجب ان تكون علاقتي معه، وهو امر لم تجد ظروف اعتقالي وهجرتي انذاك علي بتوفيق تحقيق ما رغب به ولا زال يعتصر في قلبي اني لم احقق ما رجاه.

وغبطت رفيق الدرب والسجن وعاشق الشهيد الصدر بحق الشيخ عبد الجبار البصري رضوان الله عليه وانا اتذكر اطراقة الحياء التي تسم محياه كلما نظر الى المرجع الشهيد وهي اطراقة مجللة بما يشبه التقديس، ولعل الزمن يجود علي بتوفيق لتدوين كل ذلك،

كما وندت من عيني دمعة وانا اتذكر استاذنا الشيخ الشهيد عبد الامير الساعدي رضوان الله عليه، وكيف كان البشر يطفح على محياه كلما ذكر الشهيد الصدر 

كان في الحضور سماحة السيد الاستاذ محمد الحيدري اذ كانت بداية مقدمات الدراسة على يديه والسيد صدر الدين القبانجي والشيخ محمد تقي المولى والسيد ياسين الموسوي وغيرهم وكلهم كانوا يذكرون بالشهيدين العظيمين، وكم عزّ عليّ ان لا أجد ثمالتيهما بيننا المرحوم عزيز العراق رضوان الله عليه، وقد فارقنا وفي قلبه هاجس لا زال يضغط على كل كياني حينما قال في كلمات الوداع انا اودعكم وفي قلبي قلقان اولهم قلق الفراق والاخر القلق على المجلس الاعلى فهل ستحفظونه وهو ارث الشهيد الصدر وشهيد المحراب؟!

ومع كل ما ينعكس على القلب والجوانح من هذه الذكريات اجد خطا يموج بالتقاطعات يُفرح ناظراً مثلي ويرعبه اخرى، فما يفرح واقعا ان المكان الذي كنت اجلس فيه كان في مثل هذا اليوم من قبل خمسة عشر سنة يرتع فيه ازلام وطغام البعث المجرم ليحتفلوا بعيد حزبهم المشؤوم، ولكن اليوم انا اجلس وبقية اعداءهم وضحاياهم لنحتفي بذكرى ابرز شخصيتين مناهضتين للحزب المشؤوم، نعم الفاصلة الزمنية ليست كبيرة فهي خمسة عشر سنة، ولكن في مقابل هذه الفرحة كان التساؤل المؤلم اولاً والمخزي ثانيا بحق لماذا هذا المؤتمر هو الاول من نوعه الذي يقام في عراق الباقرين؟!

اما كان الاجدر ان يكون هذا المؤتمر ليمثل نهضة ثقافية تنتشل العراق من حالات الاجهاض الثقافي التي كان المجرم صدام وازلامه قد اغرق العراق بها فيما الهت لعبة السلطة والتسلط واشغلتهم عن تراثهم الثقافي والفكري ليتركوا العراق والمنطقة نهبا لغزو فكري في غاية القسوة وتصاحبه حرب ناعمة تؤلب فيها الاحزاب المعادية للباقرين وما يمثلونه من فكر وقيم ومثل وهي تتعكز على ثلة اداءات تم رمي كل الصور السلبية التي تخلفت من ركام وخزين كبيرين من فساد بعض من اشتركوا في الحكم ليرموه على الجميع فيعموا البرئ بالاتهام ويبعدوا المتهم من دائرة السوء، حرب كانت قريبة المماثلة لما قاله الامير صلوات الله عليه والله ما معاوية بادهى مني ولكنه يغدر ويفجر فكان ان اصبح الكاذب هو الناطق والفاسد هو المنفذ والغادر هو المؤتمن وفي نفس الوقت افرغ هؤلاء كل قذاراتهم ليتهموا امينا ويكذبوا صادقا والادهى والامر ان المظلوم كان يخوض مع الخائضين فيجرح بالاصفياء ويمجد بالفاسدين وما هو امر من كل ذلك ان المظلوم رغم كل التنبيهات لا يعرف ان الحرب الناعمة التي تريد ان تجرده وشعبه من كل مقومات القوة هي حرب موجهة ضده وتستهدفه هو، ولكنه ظل يصدق اعلام معاوية واباطيل ابو موسى الاشعري ونفاق عمرو بن العاص ويشكك بكل ما عداهم..

كان الى جنبي لبرهة احد المعنيين بالامور التنفيذية في الحكومات التي سلفت والحالية فقلت له اليس معيبا على الحكومة ان لا تذكر الشهيد الصدر بمؤتمر وبثقافة وبمنهج يليق بما اعطاها؟! الغريب انه تأفف ولم يحر جواباً وسكت!؟

فيما كان الى جنبي الاخر سماحة السيد الحيدري ووالده رحمه الله من اعلام بغداد الذين تركوا اثارا جمة لا زالت لحد الان مما يحس به فتالمت ان مثله لا يجلل ولا يقدر في مدينة وهبها كل حياته، فقلت له وانا اشكو له حالة والده ورفاق دربه بالامس ذكرت في خطبة الجمعة السيد داود العطار وهو الاخر من اعلام العراق والحركة الاسلامية ولعلي الوحيد الذي ذكره طوال هذه الفترة رغم ان حزب الدعوة الذي اعطاه الرجل عمره ملزم بذلك وقد اخبرت صهره لماذا لا تكرموه فما كان منه الا ان تافف وتاسف.

وقبلها كنت قد سالت عن عائلة الشهيد جواد الزبيدي وهو من معروفي الناشطين فقيل لي لا تسل اذ لم يذكرهم ذاكر ولم ينتشل ابنه من وهدة الفاقة. مع انه ربما كان من مسؤولي الكثير من الذين تربعوا على مناصب التنفيذ طوال هذه الفترة.

وقبلها قد كنت زرت منزل العلامة الشيخ طارق الديري رحمه الله في البصرة وهو من مريدي الشهيد الصدر وقد كان من اعلام شهداء البصرة فتعجب اولاده حرسهم الله الى اني اول واحد يدخل الى بيتهم ويتفقد احوالهم، مع ان الحكومة ومسؤوليها ما قامت الا بسبب تضحية هؤلاء ومكابدتهم الامرين من اجل ان يجدوا شيئا من ذلك، فماذا لو كان الشهيد الصدر وعضده المفدى الحكيم يرون ان خمسة عشر عاما قد مرا حتى تذكرهم ذاكر فحظيت ذكراهما لاول مرة بمثل هذا المؤتمر، ومع كل الشكر الذي يجب ان يسجل لمن فكر واسس لذلك الا اني واقعا كنت اتساءل بمرارة عن وزارة الثقافة وبقية الدوائر المعنية لا اقل بتراث العراق والتي ربما اقامت الاحتفاء تلو الاخر لاناس لم يتركوا للعراق جزءا يسيرا جدا مما تركه قامات العراق ورجاله كالذين نحيا ذكراهم، مع ان هاتين الوزارتين تداران من قبل جهات لا اقل انها لا زالت تلوك بين شدقيها كلمات شرف الانتساب لهذين العظيمين، ولن اتحدث عن رؤساء الوزراء الذين تعاقبوا على حكم العراق وثلاثة منهم على الاقل مدينين من اعلى هاماتهم الى اخمص اقدامهم لهذين الرجلين، ولا اقل انهم ينتسبون لحزب يقولون ان مؤسسه الشهيد الصدر واحد قياداته المتقدمه الباقر الحكيم ( ملاحظة: كان الشهيد الصدر قد ترك الحزب في مطلع الستينات على اثر نقاش له مع الامام الراحل الحكيم، فيما كان شهيد المحراب واخوه الاكبر الشهيد محمد مهدي الحكيم قد تركاه قبل ذلك) ولست هنا بصدد التعريض بهذا فالكل اشترك في هذا الاثم وكل بحسب موقعه وقدرته.

ويبقى في هذا الخط المتماوج ان اشير الى سؤال كنت ولا زلت اردده هل سنفي لمن ضحوا من اجلنا؟ والسؤال مطروحا لي ربما اكثر من غيري فلقد ترعرت بين ايديهم ونشات ارفل من شذى عطورهم وحظيت بوالد جعلنا رحمة الله عليه نرتع بين مرجعية الامام الحكيم ونتضوع من شذى مرجعية الامام الخوئي ونتمتع باريج المرجع الشهيد الصدر الذي لا انسى تعزيته لي بوالدي حينما قال لي في جامع الهندي ان رحل الشيخ علي فاعتبرني انا الوالد ووالله كان الوالد بعد الوالد، ومضت بنا الحياة من بعد ذلك لنعيش بين بركات الامام الخميني ونتفيئ بظل الميرزا جواد التبريزي والشيخ الوحيد الخراساني والسيد التقي القمي ومن ثم ليحط بنا الرحال بين بركات الامام السيستاني والطاف السيد محمد سعيد الحكيم وانفاس السيد الخامنائي وبقية من المراجع العظام والعلماء الاعلام ادام الله ظل الاحياء منهم وتغمد الله الراحلين منهم باعظم رحماته ونور اجداثهم الطاهرة…

وقد ارتني الدنيا ما فيه عظة بالغة ان العواطف لوحدها ان لم تسق بماء العمل ستموت، وان العاقبة ان لم تقترن بالصبر والثبات امام الضغوط والاخطار والتنزه عن اغراءات الدنيا ومقاومة اغوائها فانها عواقب بائرة وخاسرة ومنقلبها لن يكون منقلب خير ابدا.

الهي اقسم عليك بحق الباقرين الشهيدين ان لا تفرق بيني وبين هذا الطريق طرفة عين ابدا، واعوذ بك ان تبتليني بالبعد عنه دون ان تاخذ عمري قبل ذلك، فاني والله لا اعرف دينك ودين رسولك صلواتك عليه واله الا من خلالهم ولا اثق بطريق يوصلني الى ائمتي صلواتك عليهم الا عبرهم، ولا اطيق اي طريق غير هذا الطريق الواصل الى سيدي ومولاي الامام المنتظر صلواتك عليه، واعني على ذلك وصبرني على تحمل البلاء فيه وتقبل ضرائب الانتساب اليه، ولا حول ولا قوة الا بك …

جلال الدين الصغير

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here