علي علي
تعود العراقيون على عدم الاكتراث بمواعيد ساستهم التي يعدونهم بها لإنجاز أمر يهم مصلحة البلاد والعباد، والشهود على المماطلة والتسويف كثيرة، بلغت حدا استصرخ المواطن إزاءها طيلة سنوات الديمقراطية المفترضة، حتى بات يناشد ساسته ومسؤوليه في مواقع تسلطهم ببيت الشعر:
لاتدعني ككمون بمزرعة
إن فاته الماء أغنته المواعيد
وقد وصل المواطن الى يقين تام، بأن التأخير في تنفيذ الوعود ليس عفويا ولا مصادفة ولا ظرفا طارئا، بل هو مقصود ومرصود ومتعمد. وقد مل العراقيون سماع مفردات التصبير والتطمين الكاذبة التي يواري الساسة بها أخطاءهم، ولطالما كانت الشماعة التي يعلق عليها السياسي تقصيره وتماهله وإهماله وتلكؤه، على من سبقوهم في مناصبهم. ويتضح لأي متتبع للأخبار السياسية في عراق مابعد عام 2003، ان تلك المفردات تشعبت كثيرا في خطابات الساسة والمسؤولين وتصريحاتهم في دورات مجالس الدولة السابقة، فكانت الكلمات المستخدمة والجارية على ألسنتهم محفوظة، واسطوانتها مشروخة تشمئز لها أذن المواطن، فكأنهم قرروا وعزموا على ان لايقدموا شيئا يخدم البلاد وملايين العباد، مقابل أعذار جاهزة، وهم ظنوا ان اتباعهم هذا السلوك في التملص من إتمام المسؤوليات الملقاة على عاتقهم، ينجيهم من وضعهم في قفص الاتهام عاجلا او آجلا، وقطعا هذا ناتج عن أمنهم واطمئنانهم من سوء العاقبة والعقاب، فقد قيل سابقا؛ (من أمن العقاب ساء الأدب).
فكأن المماطلة والتسويف في المواعيد والعهود، صار ديدن من يتبوأ مقعدا في منصب حساس، لاسيما مناصب صنع القرار والبت فيه وتشريع مايخدم المواطن والمصلحة العامة. في الوقت الذي كان حريا بمن يتسنم موقعا كهذا، ان يسخِّر طاقاته لاختزال مايمكن اختزاله من الزمن، من أجل اللحاق بالأمم التي سبقتنا بالتحضر زمانا ومكانا ومكانة.
اليوم ونحن كما نقول (ولد اليوم) لدينا برلمان على وشك التوديع، ومن المفترض على البرلمان الموعود للسنوات الأربع المقبلة، ان يخرج من صومعة سلبيات، كانت السمة المميزة لفترة تسلط السابق، ويتحتم على البرلمان اللاحق استبدال الطالح من الأعمال بالصالح منها، وكذلك السيئ بالجيد، و (الشين بالزين)، وأن لايبخلوا على مواطنيهم بالاسراع بإقرار القوانين والقرارات، فهل يفعل النواب الجدد هذا؟ وهل يغيرون الصورة الموحشة التي تعكس بخل السابقين على المواطن حتى بالإيفاء بقسمهم على أتم وجه؟
يذكرني بخل النواب السالفين بنادرة رويت عن أحد البخلاء، الذي نزل عنده ضيف يوما، فنادى ولده قائلا: يابني، اذهب الى السوق وأتِ لنا بأحسن قطعة لحم عند الجزار، فاليوم حل عندنا ضيف عزيز على قلبي. فذهب الولد الى السوق، والضيف متأمل عودته بفارغ الصبر والجوع يأخذ منه مأخذه. وبعد مضي وقت طويل رجع الابن.. ويداه خاليتان، فسأله أبوه: أين اللحم ياولدي؟ قال الولد -والضيف يسمع- : ياأبتِ قلت للجزار: أعطني أحسن ما عندك من اللحم، قال لي: سأعطيك لحما كأنه زبدة. فشاورت عقلي: لِمَ لاأشتري الزبدة بدل اللحم؟ فرحت للبقال وقلت له: أعطني أحسن ما عندك من زبدة. قال لي البقال: سأعطيك زبدة كأنها دبس من حلاوتها. وشاورت عقلي أيضا: إذا كان الأمر هكذا.. لِمَ لا أشتري الدبس بدل الزبدة؟ فرحت لراعي الدبس وقلت له: أعطني أحسن ما عندك من الدبس. فقال الرجل: سأعطيك دبسا كأنه الماء الصافي. فقلت لنفسي: لِمَ التبذير؟! عندنا ماء صافٍ في البيت، لذا رجعت من دون أن أشتري شيئا.
والداهية العظمى أن أباه قال له: لقد أبليت نعلك في تنقلك هذا، أما الأعظم من الدواهي، أن إجابة ابنه كانت: لا تخف يا أبتِ، فقد انتعلت نعل الضيف. ml

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here