ثورة جياع أم طلاب حرية

كنوز ميديا – حينما نطالع بشائر الثورة الاسلامية الايرانية ودوافعها وأسبابها لن نجد فيها تحريضات سياسية بحتة أو طلاب سلطة لمجرد الحكم أو دعاة ثورة لمجرد تغيير وجوه تسلطت على رقاب الناس، إنما ومن خلال التتبع لشعارات الثورة وأهدافها (لا شرقية، لا غربية، جمهورية اسلامية)، (الحكم للشعب)، (حسن الجوار)، (حماية المستضعفين)، (نصرة الاسلام)، (حقوق الاقليات) و…، ولو دققنا النظر في من قام بها سوف نجد أن الثورة قادها رجل دين عارف ليس له تعلقات دنيوية، وقاعدته كانت من قاعدة الشعب الذين آمنوا به وصدقوه واقتدوا به وطالبو بقيادته، نجد أن من دعم الثورة وساندها ووقف في صفها إلى جانب عامة الشعب نخب المثقفين وأساتذة الجامعات والنخب الدينية وحتى الأقليات المذهبية والعرقية، بل ربما يستغرب البعض لو علم بأن الشعب الايراني حينما قام بالثورة قام بها بمسلميه ومسيحييه ويهوده، قام بها بشيعته وسنته، قام بها بفرسه وعربه وكرده وبلوشه وتركه وجميع القوميات التي تشكل الكيان الايراني.

حركة شعبية لا حزبية

إن من تواجد في الشوارع وملأ ساحات الحراك هم قاطبة الشعب وقاعدة المجتمع وانطلاقاً من حركة شعبية اعتراضية تطالب بعودة السيد روح الله الخميني(ره) كقائد لهذا البلد وخروج الحاكم المستبد والظالم الذي كان (بعد الشعب بالحنطة ويبيعهم الشعير)، ينادي بالحريات والديمقراطية ولا ينفذها ولا يعرف لها منهجاً في سيرته وسلوكه على الشعب، يدعي الثقافة والتحضر ويمارس أبشع انواع الارهاب البربري بحق شعبه ومواطنيه.

لقد تحركت الملايين من الجموع لتطالب بحريتها واستقلالها وخروجها من العبودية والانصياع للأجنبي، فصدرت الأوامر للجيش والقوات الأمنية بالتحرك ومواجهة التضاهرات بالنار والحديد بل وصدرت أوامر مباشرة للضرب بالرصاص الحي، وحصلت مجازر خلال أعوام النضال الشعبي والتحركات الثورية للشعب الايراني ولكنهم لم يستسلموا ولم يتباطؤوا ولم يسلموا امرهم إلى القدر بل استمروا تحت قيادة حكيمة وعارفة بمجريات وحوادث الامور حتى وصولهم إلى النصر.

مشاركة الجيش في الثورة

استمر الحراك أعواماً حتى وصل الأمر إلى العام 1979 حينما لم يعد الشعب قادراً على تحمل ما يجري عليه ولم يعد يرى في عيش الذل والمهانة إلا موتاً بطيئاً فارتفعت الأصوات تريد قائدها وتعالت الصيحات تطالب باسقاط الحكومة وتبديلها، فخرجت الملايين في الشوارع متحدية الاحكام العرفية والرصاص والتهديدات لتعبر عن رأيها في أن يسود البلاد الحكم الاسلامي وأن يخرج عملاء الغرب وأن تتبدل الثقافة الغربية المنحرفة التي جرت البلاد إلى مستنقع الفساد والرذيلة والانحطاط إلى ثقافة الاسلام التي تحترم الانسان وتقيم له وزنا وتحترم المرأة وتعتبرها البستان الذي يجب أن يكون خصباً وطيباً ليثمر للبلد بثمار تكون مفيدة وتبني مستقبله في حاضره ومستقبله.

الجيش مع الشعب في الثورة ـ ايران

خرجت الملايين وكما في السابق صدرت الاوامر للقوى الامنية والجيش بالتصدي والقتل، ولكن هذه المرة انقلبت الآية وتغيرت الظروف لأن الجيش لم يكن مقتنعاً بأن هذه الحكومة على حق ولم يكن يسمح لنفسه بأن يضرب الشعب الذي ينتمي إليه وخرج منه، بل لم يكن الجيش يسمح لنفسه بأن يطلق الرصاص الذي يجب أن يخرق صدور الاعداء على صدور الناس الذين يطالبون بالحرية؛ انظم الجيش ورجال الأمن إلى صفوف الشعب وانقلب السحر على الساحر وفقدت حكومة الشاه مصداقيتها وسلطتها بسبب عمالتها، وجاء يوم (22بهمن 1357/11شباط1979) حيث ارتقى السيد روح الله الموسوي الخميني(ره) منصة الخطابة في جنة الزهراء إلى جانب مقبرة شهداء الثورة خلال أعوامها المختلفة واطلق صيحته المشهورة (أني سوف ألطهم هذه الحكومة على فمها وسوف اعين حكومة جديدة تخدم الشعب، يجب أن يكون الحكم في ايران لا تابعاً للغرب ولا للشرق بل يجب أن يكون الحاكم في ايران هو الاسلام وليس غير الاسلام) لقد عين الامام الخميني قائد الثورة الاسلامية الايرانية مفاصل وحيثيات وآليات واُسس الدولة الجديدة في الساعات الاولى للثورة واطلع الناس على أن الحكم والرأي للشعب وهو من يعين من يحكمه ومن يسوسه وأن عهد الملوكية والتسلط والتجبر على رقاب الناس انتهى وولى زمنه وجاء اليوم زمن الديمقراطية والانتخابات الحرة ورأي الشعب.

الاسلام منهجاً للحكم

انتصرت الثورة واطاحت بمملكة الشر والظلم التي ارهقت الشعب والبلد وانتهت مرحلة الفساد والمياعة والخلاعة وتسليم البلد للاجنبي، جاء الحكم الاسلامي ليحل محل المنهج الغربي والوطنية بدلاً من العمالة ومناصرة المظلومين والمستضعفين بدلاً من مصافحة الظالمين والمستكبرين، منذ البداية تم تعيين المنهج الذي ستسير عليه الحكومة الجديدة وهي المفاهيم الاسلامية لا غير، تطبيق الديمقراطية على أساس القرآن والسيرة، تنفيذ الأحكام بما يتماشى مع الاسلام ومفاهيمه، مناصرة المستضعفين ومقارعة المستكبرين كما أمر به الاسلام، رعاية حقوق المرأة واعطائها منزلتها التي تستحقها في الحياة بحسب ما عينه الاسلام؛ انطلقت مسيرة هذه الثورة والحكومة الفتية لتعيد لايران مجدها الاسلامي، ولكن هذا لم يرق للكثيرين فتوالت المؤامرات والحروب والفتن من أجل القضاء على هذه الثورة الفتية وخصوصاً من قبل دول الجوار العميلة للاستكبار مما جعل ايران تمر بمرحلة صعبة وقاسية بدأت عشية الثورة وما زالت مستمرة حتى يومنا الحاضر.

ولكن مع كل التحديات التي واجهت هذه الثورة الفتية والمؤامرات التي حيكت ضدها ولكنها استمرت وتطورت وصارت رقماً يحسب له ألف حساب ويناطح الكبار وأصبحت ايران قوة عظمى وشعبها شعب متطور علمياً وثقافياً.

خلاصة في أهم العوامل التي ساعدت الثورة على الانتصار:

1ـ استبداد الحاكم وخروجه عن اطار المعقول.

2ـ اهدار ثروات الشعب والبلد لخدمة الاجنبي.

3ـ تمتع الملك وحواشيه والاثرياء بخيرات البلد وبقاء الشعب في حالة الفقر والفساد.

4ـ تحكيم حالة الاستبداد والارهاب الحكومي ضد المواطنين والمعترضين على الفساد وتفشي الاسلوب المخابراتي في التعامل مع الناس.

5ـ انتشار الفساد وتفشي الدعارة والخلاعة في المجتمع المسلم.

6ـ محاولة تبديل الثقافة الاسلامية الاصيلة بثقافة اجنبية دخيلة وغريبة على المجتمع واخراجه عن اطار الاخلاق.

7ـ اعتقاد الناس بحقوقهم ومطالبتهم الحقة بما يجب أن يكون لهم.

8ـ وجود قيادة حكيمة استطاعت أن توحد الشعب وتأخذه إلى طريق الحرية.

9ـ التفاف الشعب حول قيادته واعطاء التضحيات من أجل الحرية والاستقلال.

10ـ الوطنية والولاء للوطن وليس للشخوص أو الأحزاب والقوميات والأديان.

11ـ مشاركة الشعب بجميع فئاته وطبقاته ومستوياته الفكرية والعقدية في دعم الثورة واستمرارها.

12ـ استقطاب الجيش والقوات الامنية بصورة عقلائية واستيعابهم بأن الثورة هي لمصلحة البلد وليست لقلب الموازين.

هذا الامر يمكن تطبيقه في العديد من البلدان الاسلامية في يومنا الحاضر والتي يعيث فيها الاجنبي الفساد وحكامها عملاء للاستكبار ويمكن اطلاق ربيع يعيد للاسلام وللشعوب حريتها وكرامتها المهدورة.

المشاركة

اترك تعليق