عــلــي شــايــع
 
    حكاية لا أذكر أين طالعتها بالضبط، ولكنها من مذكرات أو يوميات رجل عاصر فترة الزعيم عبد الكريم قاسم، إذ يقول: كان الرجل بصحبة مجموعة من أركان دولته في جولة شعبية بعد سنة من تأسيسه الجمهورية العراقية، وإذا به يصادف مواطناً يشتمه، قائلاً: أعرف أني أستطيع شتمك أكثر من الشرطة، لأني أريد منك أن تغيّرهم، ولأني أخاف من شرطتك أكثر منك!. فما كان من رئيس الجمهورية العراقية إلا أن يحني رأسه مائلاً به جهة من هم في معيته وهو يهمس لهم: لهذا الرجل كلّ الحق، نحن نحكم بشرطة (نوري سعيد) وقوانينه.
   بالطبع ليست هذه الكتابة للدفاع عن زعيم الفقراء فللدولة في أيامه أخطاؤها أيضاً، لكنه حاول أن يضع لزمانه قوانين تسيّر وتماشي الواقع، ولعلّه سيصعق لو كان حياً اليوم حين يرى ان بعض القوانين التي حاول تشريعها ولم يعاصر تنفيذها وقد صدرت بعد رحيله، يُعمل بها إلى الآن، والكارثة تكمن في عدم انسجامها والوقائع الحالية، فمثلاً: قانون العقوبات العراقي رقم 111 صدر سنة 1969 لكنّ مشرّعنا الحديث لم يحدّث نصوصه بعد مرور هذه السنوات، إذ تضمن تفاصيل عقابية تفرض غرامة بمائتي دينار!، وتلك العقوبات يعمل بها مع الأسف بشكل روتيني سيئ، سيبدو قانون حمورابي، مقارنة بها، أكمل وانضج بكثير.
  بالطبع سيظنّ البعض ان هذه المعلومات غير دقيقة، ولكن ما خفي كان أعظم كما يقولون، ففي حديث صحفي -مضى دون اهتمام عام- حث المتحدث الرسمي باسم مجلس القضاء الأعلى الجهات التشريعية على اتخاذ أقصى غايات الحذر من وجود تسيّب قانوني في استعمال قوانين بائدة، وآخر في استعمال تشريعات جديدة تفتح ثغرات لتنصّل المجرم وشموله بالعفو العام، فالنصوص الواردة في هذا القانون وما رافقها من السلبيات كان القضاء قد أشار إليها قبل إصداره غير انه مرّر وصوّت عليه بكل سلبياته وتفاصيله التي سيجد أهل القضاء ان من واجبهم تطبيقها كقانون نافذ.
 أنا الآخر كنت سأنسى بدوري تلك الصرخة لولا ما وصلني من بريد يحتوي بياناً دعت فيه هيئة النزاهة مجلس النواب إلى سن قوانين تسهم بمكافحة الفساد وعدم شمول جرائمه بالعفو العام. متمنين على المجلس إحداث تشريعات وقوانين تختصّ بمكافحة الفساد، لسدّ الثغرات القانونية وتدعيم منظومتها الضامنة للحقوق والواجبات من دون خلل، فالكثير من الفاسدين ممن حوكموا وصدرت بحقهم العقوبات القانونية شملهم العفو المشرّع برلمانياً.
 بالتأكيد، ان الأسوأ من الفاسدين حاميهم، لذا فقانون العفو العام بصورته الحالية مرفوض ومستنكر، لأنه طوق نجاة لفاسدين وسرّاق استنزفوا الدولة، وسيصبح مصدر هدر لحثيث الجهود بمتابعة بؤر الفساد، بل سيمكّن رؤوس هذا الفساد التي تتوفر على الأموال من الانتقام وإعاقة كل الجهود الرقابية المستقبلية.ml 
المشاركة

اترك تعليق