كنوز ميديا – متابعة
تم اعادة نشر المقال للتذكير بهذه المدينة المظلومة
استقر به المقام في احدى ضواحي بغداد الصناعية التي تنفث الدخان 24 ساعة من خراطيم طويلة كأنها سجارة بيد متلذذ لايعرف سوى احراق نفسه قربانا لبناء دور الاخرين. 
طابوق ودخان ووجوه تعبى اخفت ملامحها (اليشماغات) الرجالية والنسائية، انها مدينة النهروان ومعامل الطابوق ومعاناة القادمين من جنوب الحرف ومسلة حمورابي.
ابو عباس (63) عاما السومري الهارب من عبق التاريخ ونقاوة الهواء تحت مطرقة الجفاف والبحث عن لقمة العيش في مدينة الأحلام والمال الذي لا يكاد يسد الرمق. 
اصطدمت احلام ابو عباس بصخرة الواقع المرير، فسعلت رئته المتعبة من دخان المعامل والسجارة التي لاتفارق يده، واصبح حائرا بين العودة الى بلدته الغافية على نهر الفرات وارضه التي اكلها التصحراو البقاء ودفعه ضريبة السياسات السابقة والحالية، يقول ابو عباس:
 -بعد ان قلت مناسيب مياه الفرات، بدأ بعض اهالي ريف الديوانية بالهجرة الى المدينة، بحثا عن لقمة العيش، منهم من كان حظه جيدا فاصبح موظفا حكوميا يتقاضى راتبا كل شهر، ومنهم على شاكلتي لا قرابة تشفع لهم في الحصول على وظيفة ولا راتب للرعاية الاجتماعية… لم يجدوا غير الهجرة الى بغداد للعمل،وسوء حظي الذي قادني الى معامل النهروان.
 ثم يسرد ابو عباس معاناته بقوله: 
– العمل هنا موسمي وغالب ما يكون في فصل الصيف، ويقل في الشتاء، ما جعلني واسرتي نسعى الى ان نجمع اكبر قدر ممكن من المال والعودة الى منطقتي في الديوانية”. العمل في معامل الطابوق ليس حكرا على فئة معينة، بل يشترك فيه جميع افراد العائلة،وكل من يستطيع العمل. 
ام عباس من النساء اللاتي يشاركن الرجال في العمل،ولكن الوضع مختلف هنا، فعليها اولا اكمال الاعمال المنزلية من طبخ وغسل واهتمام بالصغار ” بعد الانتهاء من كل هذا اذهب الى العمل في نشر الطابوق الذي يخرج من الكورة “. 
ربما تكون مدة العمل عند النساء اقل من الرجال كما تقول ام عباس: نعمل 12 ساعة تتخللها فترات استراحة لمدة ساعتين نستغلها للعودة الى البيت واتمام بقية الاعمال المنزلية ورعاية الاطفال”.
عباس (25) عاما الابن البكر في العائلة هو الاخر وجد نفسه مضطرا ان يشارك البقية ممارسة هذا العمل، برغم عدم قناعته به، لكن الحاجة ومساعدة والديه هي التي دفعته الى الامر:
اعمل 16 ساعة منذ الفجر حتى العصر، وما احصل عليه من المال اعين به افراد اسرتي؛ لان والدي بدأ التعب يدب في اوصاله (ويضيف عباس): لا مفر من وجودي في هذا المكان؛ لانه الوحيد الذي فتح ابوابه لي. الحصول على وظيفة محترمة حلم يطالع عباس كغيره من الشباب والتفكير في البحث عن فتاة شاركه حياته،ولكن تجري الرياح بمالاتشتهي السفن ” طرقت ابواب الدوائر الحكومية في الديوانية، طبعا التعيينات تكون على الواسطة والقرابة منه هذا او ذاك المسؤول، وانا لا املك تلك الواسطة”. لم يكمل عباس تعليمه الدراسي، السادس الابتدائي اقصى ما وصل قطار عباس : كنت اريد ان اكمل دراستي على الاقل الحصول شهادة الاعدادية، ولكن ظروف المعيشة جعلتني امتهن العمل منذ نعومة اظفاري.
محمد (11)عاما اخر عنقود عائلة ابو عباس خرج ايضا لالتقاط رزقه ويعض اصبع الندم لتركه الدراسة: العمل هنا يتطلب التفرغ والمدارس بعيدة عن المنطقة، لذا قررت ان انزل الى العمل.
عائلة ابو عباس تجمع ما يبقى من مال لاجل العودة الى الديوانية حيث تقل حركة معامل الطابوق في موسم الامطار.
)س ع) صاحب احدى معامل الطابوق يقول:
– حياة العاملين هنا صعبة، نحن اصحاب المعامل نحاول كل جهدنا لتوفير بعض مسلتزمات الراحة، اقمنا دور للعمال قريبة من مواقع العمل”.
 وعن قلة الاجور مقارنة بالجهد المبذول من قبل العمال يقول (س ع) :
تكاليف انتاج الطابوق مرتفعة لاسيما (الكاز) الذي يحدد سعر دبل الطابوق والاجور. ولعل ظهور منافس جديد هو الطابوق الايراني الذي يحاول سحب البساط من تحت اقدام الطابوق العراقي فضلاً عن قدم معامل الطابوق وعدم وجود قوانين تحد من الاستراد العشوائي من العوامل التي جعلت الكثير من اصحاب المعامل التفكير جديا في تطوير هذه الصناعة، لكن لابد من وجود دعم حكومي الذي يقول عنه (س ع) انه لايلبي الطموح.
معامل الطابوق في النهروان من الملوثات الرئيسة في العراق، ولعل عدم التزام بعض اصحاب المعامل في طول الابراج من اهم المشاكل كما يقول الطبيب (ك م) في مشفى المدينة:
– حسب الشروط البيئة يجب ان يكون طول البرج 30 مترا ولكن نجد اغلب الابراج لاترتفع عن عشرة امتار، وهذا يعني اضافة مواد جديدة ملوثة الى الجو.الرعاية الصحية مطلوبة في ظل جود اصابات العمل الخطيرة ،لا يوجد في النهروان مشفى، بل مستوصف لا يستوعب مثل هذه الحالات”. الجروح الكبيرة وامرض التنفس ابرز الحالات ،العمال يعانون من الامراض الصدرية بسبب التلوث فضلا عن اصابات العمل، بعضها حرج ويتطلب نقلها الى المستشفيات التخصصية”. 
قد يكون المضمد الصحي من اكثر رجال الطب تماسا مع العمال كما يقول المعاون الصحي ،علي حنون، الذي حول عيادته المتواضعة الى مكان لعلاج الكثير من الحالات:
احاول بقدر خبرتي ان اعالج بعض الاصابات لاسيما الناجمة عن العمل، ولكن البعض منها يكون خطيرا ويتطلب نقلها الى المستشفيات لاجراء تداخل جراحي كقطع الاطراف والجروح البليغة. ربما تكون امراض الجهاز التنفسي هي الشائعة بين سكان المنطقة، الامراض الصدرية لاسيما عند الاطفال وكبار السن من الامور المعروفة هنا، عدم الالتزام العمال بوضع كمامات صحية يزيد من تدهور الحالة الصحية للعمال”.
يعد (ابو صابر) من اعمدة النشاط العمالي في معامل الطابوق حيث الطريقة القديمة هي السائدة في عملية نقل الطابوق من(الكور) الى اماكن (النشر) لان اغلب معامل الطابوق يعود تاريخ تأسيسها الى خمسينيات القرن الماضي ما جعل الحمير العمود الفقري للعمل ولايمكن الاستغناء عنها.
 الجمعة اليوم الوحيد الذي يشعر به عمال معامل الطابوق بالراحة ويحاولون قضاء اجواء غير ملوثة كالذهاب الى التسوق في مركز العاصمة بغداد او زيارة بعض الاماكن المقدسة والاقارب. تضم النهروان التي تقع على مبعدة 40 كليومتر عن مركز المدينة حوالي 1000 معمل للطابوق والعشرات من مدابغ الجلود التي اغلقت البعض ابوابها بفعل عدم القدرة على منافسة المستورد.

جريدة التأخي

 

المشاركة

اترك تعليق