كتب / احمد عواد الخزاعي…
كنتيجة حتمية لحجم الإهمال الكبير الذي طال القطاع التعليمي الحكومي في العراق، وغياب الحلول الحقيقية لمشاكل التعليم، ظهرت المدارس الأهلية بمختلف توجهاتها لتكون بديلا غير ناجح للمدارس الحكومية، التي باتت تفتقر إلى ابسط مقومات التعليم، بعد أن تحولت إلى علب سردين يحشر فيها أبنائنا مرغمين في ظروف تعليمية وصحية سيئة للغاية، ويقسم فيها الدوام إلى ثلاث مراحل زمنية، أي إن ساعات التعليم باتت لا تتعدى الساعتين في اليوم الدراسي الواحد، والصفوف مكتظة إلى حد الاختناق ليصل عدد الطلاب في الصف الواحد إلى ستين طالبا، في صف مصمم لاستيعاب ثلاثين طالبا فقط، مع انعدام أجهزة التدفئة والتكييف فيها بصورة نهائية، وضعف الإنارة إن وجدت، وغياب المياه الصالحة للشرب، وتهشم زجاج النوافذ أو اختفائها بصورة كاملة، إضافة إلى العبء الكبير الذي يقع على كاهل الأسر العراقية، وما يتحتم عليها من توفير القرطاسية والدفاتر، وحتى بعض الكتب الدراسية والمقاعد الدراسية في بعض الحالات، كي يستمر أبنائها في التعليم الحكومي.. كل هذه الأسباب وغيرها الكثير جعلت من المدارس الأهلية تتحول في نظر الكثير من هذه العائلات، إلى طوق نجاة، وبديلاَ أفضل للمدارس الحكومية، لكن هل كانت هذه المدارس تمثل حلا ناجحا للمشكلة ؟ وهل يشكل وجودها ثقافة رأسمالية غريبة على العقل الجمعي العراقي؟ للإجابة على هاذين السؤالين يجب معرفة الغاية التي تقف وراء ظهور المدارس الأهلية بهذه الكثافة .. إي مشروع استثماري رأسمالي، فان الأولوية فيه تكون لإرضاء الزبون بأي شكل من الأشكال، وهذا الأمر هو أهم الأسس التي تعتمد عليها اغلب هذه المدارس، ويظهر فيها بصورة جلية ، حيث يشكل عامل الإرضاء والاستحسان هدف رئيسي واستراتيجي لديها، ويتم هذا عن طريقين .. الأول بالضغط على الهيئات التعليمية، لإرضاء اسر الطلبة بغض النظر عن المستوى التعليمي والأخلاقي لأبنائها، وتحويل المعلم أو المدرس إلى أجير لدى هذه الأسر، دون أن توفر له نقابة المعلمين أو وزارة التربية أي حصانة تذكر.. والثاني يتم عن طريق صناعة النهايات السعيدة لمعظم الطلبة باستحقاق أو بدون استحقاق، فما دامت الأسرة تدفع الأقساط بانتظام، فالنتيجة يجب أن تكون نجاح هؤلاء الطلبة، حتى أن في بعض الحالات تم قبول طلبة يعانون من مرض متلازمة داون، وأجبرت الهيئات التدريسية على إعطاء الدروس لهم .. أنا لست ضد المدارس الأهلية بخصوصيتها المتعارف عليها في اغلب دول العالم، لكن ما يجب أن يشار إليه هو الخوف من أن تتحول هذه المدارس إلى بديل للمدارس الحكومية، وجزء من الحل، للمشكلة التعليمية القائمة في العراق، الذي تخطت نسبة الفقر فيه الثلاثون بالمائة من عدد سكانه، وهذا المؤشر الخطير، هو جرس إنذار لكل المعنيين بالشأن التعليمي،بأن نسبة كبيرة من العراقيين ليس لديهم القدرة على التماهي مع هذا التمظهر الرأسمالي، وان معظم أطفال العراق مازالت تشكل المدارس الحكومية النافذة الوحيدة لهم، لرسم مستقبلهم وتحقيق طموحاتهم، العراق بحاجة الآن إلى أكثر من خمسة آلاف مدرسة، والآلاف من الكوادر التعليمية، والدولة تقف اليوم عاجزة أمام تحقيق هذا الهدف الحيوي والمهم، وتلجا إلى الحلول الترقيعية، كإنشاء ما يعرف بمدارس (الكرفانات) في المحافظات والأحياء الفقيرة من بغداد، وتشجيع إقامة المدارس الأهلية لتخفيف الضغط على المدارس الحكومية.. لكن كل هذه الحلول وغيرها لا تغير من الواقع السيئ شيء، لأسباب يقف الفساد الإداري والمالي على رأسها، الذي عمل على تقويض سفر تعليمي طويل وكبير، شهده العراق في تاريخه الحديث.. لذا فأن الحل هو في وضع خطة إستراتيجية بمحورين:
الأول قريب الأمد بتأهيل المدارس وتوسعتها بطريقة تمكنها من استيعاب الزخم الحاصل عليها، وتوفير ابسط الشروط التعليمية والصحية فيها لأبنائنا الطلبة.. والمحور الثاني، يكون برصد مبالغ كبيرة تخصص من ميزانية المحافظات لبناء مدارس حديثة تواكب التطور الحاصل في المحيط الإقليمي كحد أدنى، وتحويل هذا الهدف إلى مشروع وطني كبير، تساهم فيه كل قطاعات المجتمع العراقي، والمنظمات الدولية المعنية بهذا الموضوع، إضافة إلى وضع خطة موازية لهذا المشروع الحيوي تعمل على إعادة تأهيل الكوادر التدريسية، وإخضاعها لدورات تطويرية مستمرة كي تستطيع مواكبة التطور الحاصل في المناهج التدريسية، وإنهاء حالة التذبذب في تغيير هذه المناهج، الذي أربك العملية التعليمية بشكل كبير، وبالأخص في السنوات القليلة الماضية.. بعد كل الذي مر به العراق من حروب وأزمات وويلات، وبعد تعافيه من آفة الإرهاب الذي اضر كثيرا بالعراق اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا.. لابد لنا من صيرورة أخرى، تنزع عن هذا البلد أدران تلك المرحلة العصيبة من تاريخه الحديث، والاهتمام بالتعليم هو إحدى الوسائل المهمة والحيوية لهذه الصيرورة الجديدة   ml 
المشاركة

اترك تعليق