كتب / نواف الزرو…
العنوان اعلاه ليس عفويا أو عبثيا، فالسياسات الامريكية عابرة للادارات والرؤساء، وكانت تلك السياسات على مدى اداراتها منحازة انحيازا شاملا وعنصريا وارهابيا الى جانب”اسرائيل” وسياساتها في فلسطين والمنطقة، وفي كل العناوين الاسرائيلية، وخاصة ما يتعلق منها بالمدينة المقدسة والاماكن المقدسة، وكذلك حائط البراق الذي يطلقون عليه”حائط المبكى”، ولم تخرج تلك السياسات والمواقف والقرارات الامريكية عن الاجندة الاسرائيلية-الصهيونية منذ زمن هرتزل وصولا الى زمن ترامب.
فالقرار الذي اقدم عليه الرئيس ترامب الاربعاء 2017-12-6 بمنح”القدس عاصمة لاسرائيل” كان قرارا صهيونيا بامتياز، وكأنه كتب بيد صهيونية تماما، ضاربا بذلك عرض الحائط بكافة القرارات والمواثيق الاممية المتعلقة بفلسطين والقدس. ولكن سرعان ما الحقت ادارته هذا القرار بقرار استفزازي جديد تعتبر فيه”ان حائط البراق جزء من السيادة الاسرائيلية-واشنطن/اسوشييدت برس/ السبت 16 ديسمبر 2017″، وكأن الادارة الترامبية في سباق مع الزمن من اجل تكريس حقائق الامر الواقع لصالح”اسرائيل” على الطريقة البلفورية. وكأن الادارة الترامبية تريد ان “تقطع قول كل خطيب” بكل ما يتعلق بالقدس وحائط البراق، وهي تنضم بذلك بالكامل الى المساعي الاسرائيلية الرامية ايضا الى اختطاف حائط البراق وتحويله الى “حائط المبكى” اليهودي تاريخيا كما يزعمون انه لهم وليس لنا، على الرغم من كل الوثائق والشهادات التاريخية والاممية التي تؤكد عروبة القدس والحائط.
وفي ضوء هذا التصعيد الامريكي المتعجرف، وفي سياق الصراع المحتدم على القدس والاماكن المقدسة، نستحضر ايضا: ان نتنياهو كان قد دعا السلطة الفلسطينية في نهاية نوفمبر/2010 الى نبذ وإدانة الدراسة الصادرة عنها التي تدحض المزاعم الإسرائيلية بشأن حائط البراق، الجدار الغربي للمسجد الأقصى والذي تسميه إسرائيل “حائط المبكى/ الجزيرة 26/11/2010 “، متقدما بذلك –اي نتنياهو- خطوة جديدة في حربه التهويدية التزييفية التي يشنها على المدينة المقدسة، فزعم بيان صادر عن مكتب نتنياهو “إن إنكار العلاقة بين الشعب اليهودي وحائط المبكى من قبل وزارة الإعلام الفلسطينية أمر باطل من أساسه ويشكل فضيحة حقيقية”، مضيفا:” أن هذا الإنكار من قبل السلطة الفلسطينية يضع علامة استفهام كبيرة جدا على نواياها الحقيقية في ما يخص السعي إلى اتفاقية سلام تعتمد على التعايش والاعتراف المتبادل”، زاعما “أن الحائط الغربي أكثر الأماكن قدسية عند الشعب اليهودي منذ نحو ألفي عام حين تدمير الهيكل الثاني، وهذه ليست المرة الأولى التي يحاول فيها الفلسطينيون تشويه الحقائق التاريخية، وذلك من أجل إنكار العلاقة بين الشعب اليهودي ووطنه”.
وجاء هذا البيان الاسرائيلي ردا على دراسة للمتوكل طه نائب وزير الإعلام في السلطة الفلسطينية، تضمنت عددا من الحقائق التاريخية التي تؤكد “أن الحائط الغربي حائط إسلامي وجزء لا يتجزأ من المسجد الأقصى والحرم القدسي الشريف، وهو موقف كرره الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات”.
وذكرت أن الحائط يقع في مدينة القدس القديمة، “وليس أثرا باقيا من الهيكل اليهودي الذي هدمه الرومان عام 70 ميلادية، بل هو جزء لا يتجزأ من المسجد الأقصى القريب”.
كما قالت الدراسة إنه حتى عام 1917 لم يكن اليهود يصلون مطلقا عند هذا الحائط، “لأن أجيال اليهود احتشدت هناك للبكاء على ضياع الهيكل”.
ومن الحكومة الاسرائيلية الى الادارة الامريكية، فلم تبق الادانة حصرا ب”اسرائيل”، اذ سارعت الخارجية الامريكية ايضا الى ادانة الوثيقة الفلسطينية، فقال بي.جيه.كراولي المتحدث-سابقا- باسم وزارة الخارجية الأمريكية للصحفيين “نحن ندين بشدة هذه التصريحات، ونرفضها رفضا تاما بوصفها خاطئة من منظور الوقائع ولا تراعي أحاسيس الآخرين وتنطوي على استفزاز شديد/ وكالات01/12/2010″، مضيفا “لقد أثرنا مرارا مع قادة السلطة الفلسطينية ضرورة الاستمرار في مكافحة كل أشكال السعي لنزع الشرعية عن إسرائيل، بما في ذلك نفي الارتباط التاريخي لليهود بالأرض”. وكذلك أصدر رئيس لجنة الخارجية التابعة للكونغرس، هاورد برمن، بيانا أدان فيه الدراسة، وقال إنه “يستنكر بشدة الدراسة، وأن رئيس السلطة الفلسطينية محمود بعاس ورئيس حكومته سلام فياض يدركون الأهمية الروحية للحائط الغربي بالنسبة لليهود في العالم”، كما اعتبر نفي “علاقة اليهود بالحائط الغربي” استفزازا وتحريضا لا يقل عن نفي علاقة الفلسطينيين بالحرم الشريف”، وطالب السلطة الفلسطينية بإدانة الدراسة فورا، وإصدار بيان ينفي أن يكون الحديث عن موقف رسمي للسلطة. كما طالب ب”إزالة أي ذكر للدراسة من موقع السلطة”.
وفي هذا النطاق فاننا لا نستغرب المزاعم وردود الفعل الاسرائيلية التصعيدية بهذا الصدد، غير ان الغرابة في ان تلتحق الادارة الامريكية هكذا انجرارا باطلا وراء المواقف الاسرائيلية، والواضح ان كراولي اراد بتصريحه ان يستدعي وعد بوش لشارون الذي اعترف بحقائق الامر الواقع التهويدي في القدس والضفة.
تستند هذه المزاعم الاسرائيلية-الامريكية المتعلقة بالعلاقة الروحية بين اليهود والقدس، الى ادبياتهم واساطيرهم المزيفة للمشهد المقدسي، فقد كان نبيهم ثيودورهرتزل مؤسس الحركة الصهيونية اول من ادعى مثل هذه العلاقة، فقال في إحدى خطبه في المؤتمر الصهيوني الأول [ 29 – 31/ أغسطس – آب/ 1897 ]: ” إذا حصلنا يوماً على القدس وكنت لا أزال حياً وقادراً على القيام بأي شيء .. فسوف أزيل كل شيء ليس مقدساً لدى اليهود فيها، وسأحرق الآثار التي مرت عليها قرون”.
وما بين زمن وتمنيات هرتزل، الى احداث عام 1929 حول البراق، يعود بنا المتوكل طه في دراسته الاستثنائية حول ملكية حائط البراق، الى الاضطرابات وثورة البراق عام 1929، التي اجبرت الحكومة البريطانية على ارسال لجنة للتحقيق عرفت باسم “لجنة شو”، نسبة إلى رئيسها، وبين جملة توصياته، أوصى شو بإرسال لجنة دولية للتحقيق في موضوع حقوق العرب واليهود في البراق. وفي 15 أيار من العام 1930، وافق مجلس عصبة الأمم على الأشخاص الذين تم ترشيحهم من قبل بريطانيا لعضوية اللجنة. ووصلت لجنة التحقيق الدولية إلى القدس في 19 حزيران من العام نفسه، وأقامت فيها شهراً بكامله، عقدت خلاله 23 جلسة، اتبعت خلالها الأصول القضائية المعهودة في المحاكم البريطانية، واستمعت إلى ممثلي الطرفين العربي واليهودي، وإلى 52 شاهداً (30 استدعاهم العرب و22 استدعاهم اليهود)، وأبرز الطرفان أثناء الجلسات 61 وثيقة (26 وثيقة قدمها العرب و35 وثيقة قدمها اليهود)، وكان دفاع الفريق العربي عن حقه في القدس يثير الإعجاب، واشترك في هذا الدفاع نخبة من رجالات البلاد من ذوي الاطلاع الواسع على الوضع الراهن للأماكن المقدسة.
وقد اختممت اللجنة الدولية تقريرها بالنتيجة التالية: “للمسلمين وحدهم تعود ملكية الحائط الغربي ولهم الحق العيني فيه، لكونه يؤلف جزءاً لا يتجزأ من ساحة الحرم الشريف، التي هي من أملاك الوقف الإسلامي. وللمسلمين أيضاً تعود ملكية الرصيف الكائن أمام الحائط، وأمام المحلة المعروفة بحارة المغاربة، لكونه موقوفاً حسب أحكام الشرع الإسلامي”.
ثم يعود نتنياهو بعد كل ذلك ليأكد لاحقا”إن القدس لليهود منذ 3000 عام وستبقى لليهود”، ويضيف:”ان هذا المكان منذ 3000 عام لنا والان هو بايدينا وسيبقى بايدينا”، ثم عاد وأطلق نتنياهو تصريحات عدوانية ضد الفلسطينيين خصوصا والعرب عموما، بقوله مساء الأحد: 21/05/2017 -في كلمة باجتماع بمناسبة 50 عاما على احتلال القدس، “إن حائط البراق والحرم القدسي الشريف، حيث يقع المسجد الأقصى وقبة الصخرة، ستبقى تحت سيادة إسرائيل إلى الأبد”. واعتبر نتنياهو في كلمته إنه ‘قبل 50 عاما عاد الأبناء إلى حدودهم، وقبل 50 عاما تم تضميد جرح تاريخي، وقبل 50 عاما عدنا إلى قلب عاصمتنا وبلادنا وقبل 50 عاما لم نحتل القدس وإنما حررناها’.
واذا ما اضفنا لكل ذلك هذا التصعيد المستمر والمتصل على لسان قادة”اسرائيل” بخصوص حائط البراق، فان النوايا والمخططات والاهداف الاسرائيلية المبيتة ضد القدس والاقصى والبراق جزء لا يتجزأ منها تغدو واضحة صريحة لا تحتتج الى اي تردد او شك فلسطيني او عربي.
والواضح ان الغطرسة الاسرائيلية التي يجسدها نتنياهو في تصريحاته ومواقفه الاستخفافية بالعرب وحقوقهم التاريخية في فلسطين لم تكن لتحصل لو كان للعرب دور وحضور آخر مختلف، فالقدس تحتاج على الى عربها ومسلميها كي يتم انقاذها من براثن نتنياهو التهويدية…!
و في الحاصل، وما بين زمن هرتزل وزمن نتنياهو، وصولا الى اعتراف ترامب، اي بعد نحو قرن وعشرين عاما، فان العنوان الذي يتسيد المشهد المقدسي هو: ان قدسنا العربية –الاسلامية والمسيحية- تتعرض الى هجوم صهيوني-امريكي مشترك في ظل اوضاع واحوال عربية واقليمية يعتبرونها هم فرصة تاريخية، الى اكبر واخطر حملة تزوير تاريخي تهدف الى اختطاف القدس بكافة عناوينها ومنها حائط البراق واخراجها من كل الحسابات…
غير ان حسابات الحقل لن تأت على قدر حسابات البيدر، فهناك اهل القدس يسطرون ملحمة انتفاضية مشرفة في وجه المخطط….وهناك فلسطين المشتعلة في وجه المخطط…وهناك أمة عربية تتحرك…وهناك مجتمع دولي يتحرك ايضا….؟!  ml 

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here