بقلم : حسين حمود  

الثائر هو إنسان حالم. يحلم بتغيير واقع أيّ شأن يرفضه، انطلاقاً من مبادئ وعقيدة وحسّ إنساني ورؤى، تعتمل وتتفاعل كلها مع بعضها في داخله وصولاً إلى الانتفاض على ذاك الواقع المرفوض.

والأمل هو رفيق الثوّار ومحرّضهم على المتابعة في ثورتهم. فالأمل عندهم ليس هو الحلم ولا نوعاً من طوباوية مثالية أو مستحيلة. بل هو الطريقة لجعل الحلم حقيقة، بحسب ما يمتلك وما يمكن أن يكتسبه من معطيات، تصبح لاحقاً هي الطريق الموصلة إلى هدف واضح لا تردّد ولا تشكيك في قيمته المادية أو المعنوية لدى الثائر.

منذ نحو أسبوعين حلمنا حلماً كبيراً، جعل الآمال والأمنيات تزداد وتتكثّف لدينا. أبصرنا فلسطين أقرب إلينا مما كنا نعتقد ونظنّ. وكل يوم تقترب من خطوة أو خطوات أو نحن نسير إليها بحلم أقرب هو إلى الواقع أو بالأحرى متّسق وملتصق به، وهو تحرير ترابها وناسها، من الأسر والاحتلال الجاثم على صدرها منذ نحو 70 عاماً من قبل العصابات اليهودية التي أتت من كل حدب وصوب، من أربع رياح الأرض، وشرّدت أهلها في كل حدب وصوب، بمؤازرة العواصم الكبرى وبعض الدول الدول العربية التي تواطأت مع العدوّ وساعدته على تنفيذ مخططه الاستعماري، مقابل ترسيخ عروشها وسيطرة عائلاتها على ثروات بلدانها.

أما الآن، فيبدو أن هذا الوضع يتّجه نحو التغيير. وكلّ ما هو قائم في فلسطين، وما حولها بفعل الاحتلال لن يبقى على حاله. هذا لم يعُد أضغاث حلم، كما كان في السابق، بل هو حلم حقيقي مع أمل كبير في جعله واقعاً ملموساً، لسبب بسيط وعميق مثل صليب. وهو أننا بتنا كأمة نمتلك نفوسنا الحرّة وأدوات الحياة وإرادة النهوض ومواجهة جلادينا ومغتصبي أرضنا وحقوقنا وإراداتنا وتطلّعاتنا ورؤانا… وأحلامنا.

لقد دخلنا عصر المقاومة التحريرية بعملياته الاستراتيجية النوعية التي تقتلع الاحتلال وليس فقط إرباكه وعرقلة مشاريعه التسلّطية على الأقطار وسكانها، كما حصل في سورية والعراق مع الاحتلال الإرهابي وطرده بسرعة قياسية من هذين البلدين، وقبل ذلك تم تحصين لبنان في وجهه لمنعه من الوصول إليه وارتكاب المجازر فيه.

بعد تلك الانتصارات تعود البوصلة إلى فلسطين. صحيح أن الأمر فيها يختلف، لكن في عمقها ثورة بدأت وآخذ في الاشتعال، كما أن حولها جيش مقاومة يؤازر ويدعم ويشجّع. لم تعُد فلسطين متروكة وحدها، كما حصل لها في عام النكبة وما بعده وإلى ما قبل ولادة محور مقاومة بمفاهيم وأدوات فعل جديدة، تجمع أطرافه استراتيجية واحدة، وإن اختلفت عقائدُها الحزبية، وهي استراتيجية التحرير من أي احتلال أو استعمار لأمتنا. وهو سيبدأ حتماً من فلسطين، كي تكون الطريق إلى الهدف الأسمى، وهو تحرير الأمة، كلّها، سليماً وواضحاً إذ إن لا تحرير للأمة ولا قضاء على التبعية والاستغلال والاستعمار إلا بتحرير فلسطين من نهرها إلى بحرها وإقفال قاعدته اليهودية.

والدلائل واضحة أيضاً، وأقلّها الحراك الشعبي العارم المتضامن مع فلسطين عقب قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة للكيان الصهيوني المحتلّ، ونقل سفارة بلاده إليها، وكذلك المواقف الرسمية العربية والإقليمية والدولية الرافضة للقرار الجائر المذكور.

الأهداف واضحة والطريق تُوْصِل، والإرادة والقوة والعقيدة موجودة، والأهم أن الأفعال بدأت وتحقيق الحلم الكبير باتَ أمام العيون. واقع المنطقة كلّها يسير نحو التغيير وفلسطين في قلبها، وهي لم تعُد متروكة لمصيرها كما كانت في العام 1948

ml 

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here